سيناقش الخبراء العسكريون والسياسيون والديبلوماسيون على مستوى المنطقة والعالم التداعيات التي ستتركها «معركة حلب» في الأيام المقبلة، سواءٌ على مستوى انعكاساتها الداخلية في بلد يشهد حرباً شاملة ومدمّرة منذ آذار 2011 الى اليوم، أو على مستوى المنطقة والعالم. وكما في أيّ بلد يشارك طرفاً في الأزمة السورية يبدو أنّ لإيران قراءة مختلفة. فما هي مقوّماتها والتوقعات؟قبل أن يسيطر النظام السوري وحلفاؤه الروس والإيرانيون ومختلف القوى المنضوية تحت لواء هذا الحلف على الجزء الشرقي من حلب بدأت القراءات السياسية والديبلوماسية والعسكرية المتوقعة لنتائج المعركة وما يمكن أن تؤول اليه المواجهة مع التركيز على مرحلة ما بعد حلب مهما طالت العمليات الجارية لـ «تطهير» المنطقة عسكرياً وأمنياً بعد انتهاء الإتصالات لتحديد مصير المسلّحين في الأجزاء المتبقّية منها.

وقد لفتت المصادر العسكرية بداية الى أنّ المواجهات الأخيرة التي أعقبت العملية الأولى التي شهدتها حلب في تموز الماضي للسيطرة على طريق الكاستيللو أظهرت أنّ القرار قد اتُخذ للقضاء على «الجيب المعارض» فيها أيّاً كان الثمن على كلّ المستويات.

فالطريق المستهدَفة هي المدخل الرئيسي الذي يربط مناطق سيطرة المسلّحين بالجانب التركي والشريان الحيوي العسكري والإقتصادي الذي يمدّ المنطقة الشرقية من المدينة بوسائل الصمود في مواجهة النظام وحلفائه.

ولم يكن أفضل من اعتماد التوقيت الحالي الذي لجأ اليه الروس وحلفاؤهم لتنفيذ العملية نظراً الى عوامل عدة أبرزها:

- إنشغال الأميركيين بانتخاباتهم الرئاسية وتردّدهم في معالجة الوضع في المنطقة بالقوّتين العسكرية والديبلوماسية.

- إنكفاء أطراف الحلف الدولي الغربيّين والعرب والخليجيين عن دعم المسلّحين قبل الإطباق على مناطقهم وقطع أيّ اتصال بالخارج على مدى الأشهر الخمسة الماضية.

- الدخول العسكري التركي مباشرة الى الأراضي السورية بقوى نظامية ووحدات موالية لها من مدينة جرابلس ما دفعها الى المساومة على «جيب حلب» بغية تحقيق غايتها الكبرى بمنع قيام الكيان الكردي من كوباني الى عفرين فكانت عملية «درع الفرات» ترجمة فعلية للسماح لأنقرة بعمليتها لقاء التخلّي عن هذا الجيب وإعطائها «الترخيص» الإقليمي والدولي لتقليم أظافر الأكراد في المنطقة ووضع حدّ لطموحاتهم التي بدأت تنمو فيها.

وأمام هذه الوقائع ظهر جلياً أنّ العملية ستكون لمصلحة الروس وحلفائهم استناداً الى الفارق الكبير في القدرات العسكرية والقوة المتوافرة لديهم والتي لا تقاس بقدرات المسلّحين الذين افتقدوا السلاح النوعي الكاسر للتوازن المطلوب لمواجهة شبه متكافئة.

أما على المستوى الديبلوماسي فقد تبيّن أنّ المعركة الديبلوماسية القاسية التي خاضتها موسكو على كلّ المستويات المحلّية والإقليمية وصولاً الى مجلس الأمن الدولي والمنتديات الأخرى قد استندت الى قوة أخرى عسكرية لم تستخدمها سابقاً في أيّ بقعة من العالم على رغم الحروب المتنقلة التي خاضتها القيادة الروسية من افغانستان الى اوكرانيا مروراً بما شهدته دول الإتحاد السوفياتي السابق عقب سياسة «البيريسترويكا» التي أنهت عصر «الإتحاد» وفتحته على عصر «روسيا الإتحادية».

وعليه، والى القراءات المتعدّدة لمجريات «حرب حلب»، يقول زوار طهران إنها كانت من المدن المعنيّة بالمواجهة قبل وبعد أن تصدّرت روسيا هذه المواجهة.

ولذلك فهي تعتبر نفسها معنيّة بكلّ ما يجرى على الساحة السورية الكاملة وأنّ معركة حلب واحدة من المواجهات المفتوحة مع المجموعات المسلّحة ومَن وراءها من القوى الإقليمية والدولية مهما صغر أو علا شأنها وهي لم ولن توفّر قدراتها على كلّ المستويات للمضي فيها الى النهاية.

ولذلك فإنّ طهران تتصرف على أنها انتصرت في جولة من جولات الحرب الطويلة. فـ «موقعة حلب» لن تكون الأخيرة والحرب السورية طويلة، لكن ما عبّرت عنه هذه الجولة كبير ويستحقّ التوقف عنده.

ويضيف هؤلاء الزوار أنّ طهران تتحدث بإسهاب عن تقديرها للدور الروسي وصدقية القيادة الروسية بكلّ تعهّداتها. فهي سخّرت للحلف الذي تقوده مع طهران والحلفاء كلّ القدرات العسكرية التي لم تكن تتوقعها يوماً.

فالتجارب السابقة لا توحي بما قامت به روسيا هذه المرة، وهي لم تنتقل الى أيّ مكان في العالم بحاملات طائراتها وبآخر ما أنتجته مصانعها الحربية من طائرات وصواريخ وعتاد متنوّع للرصد والمراقبة لتسخّره في هذه المعركة وهي التي ضمنت الإنتصار الذي تحقّق في مواجهة واشنطن والرياض وأنقرة وغيرها من العواصم التي تواجهها إيران في سوريا والعراق واليمن والبحرين وفي أيّ مواجهة مشابهة على أراضي دول إسلامية اخرى.

أما ما بعد حلب، فمسألة أخرى إذ إنّ زوّار طهران يتريّثون في تحديد الهدف المقبل مع التأكيد أنّ ضمان أمن العاصمة السورية له الأولوية في كلّ الخطط الموضوعة.

لكن ما بعد حلب شأن آخر وهي تتردّد في تحديده وإن كان الإعتقاد السائد أنّ المواجهة المقبلة ستكون مع أنقرة مباشرة إذا ما انتقلت المواجهات الى مدينة «الباب» ومناطق إدلب والرقّة الى أن تتجدّد المواجهة مباشرة مع الإدارة الأميركية الجديدة مطلع السنة المقبلة مع فترة سماح ستمتدّ الى ستة أشهر على الأقل في انتظار أن تمسك إدارة دونالد ترامب بمختلف مفاصلها.