"إرتباك، توتر، اجتماعات، لقاءات. حال نقابة محامي بيروت هذه الأيام لا يبشر بالخير. المحامون يعيشون حيرة فرضها "ملف صحي"، ربما كان بالإمكان تدارك تداعياته لو لم يبن على أخطاء كان اللافت للانتباه فيها أن من ارتكبها هم بعض أهل القانون أنفسهم".

منذ أيام والنقابة عبارة عن "خلية نحل". جهد كبير يبذله النقيب أنطونيو الهاشم للملمة تداعيات "الملف"، وقد بات يتردد أن هناك وجهة لدى بعض المحامين لإحالته (الملف) إلى النيابة العامة المالية على خلفية "الهدر".

لطالما وقعت نقابة محامي بيروت بين خيارين في مجال "الخدمات الصحية". ثمة من كان يدعو من بين المحامين إلى الانتقال من التعاون مع شركات التأمين إلى صندوق خاص بالنقابة. آخرون كانوا يفضلون البقاء مع الشركات، وعلى هذا الأساس، وضع عدد من النقباء السابقين دراسات حول هذا الأمر كانت أهمها الدراسة التي طلبها الوزير رمزي جريج عندما كان نقيباً للمحامين، وقد جاءت نتائجها لتؤكد ضرورة البقاء مع شركات التأمين.

لكن كل هذه الدراسات لم تلفت نظر النقيب السابق جورج جريج الذي حسم الخيار بالانتقال من "شركات التأمين" إلى التوقيع مع "غلوب مد" في 26 شباط 2015 لمدة ثلاث سنوات تنتهي في شتاء العام 2018، لتتولى هذه الشركة بحكم كونها "شركة خدمات متخصصة" إدارة الملف الصحي للنقابة، وقد كان الشرط في البداية أن يتم العمل من خلال "صندوق تعاوني" يكون التوقيع مع الشركة من صلاحياته، إلا أن الصندوق لم يولد فتولت الشركة إدارة الملف الصحي للنقابة. وبعد مرور عام على عملها، وقعت النقابة في خسارة تقدر بالحد الأدنى بـ4.5 ملايين دولار حتى 31 آذار الماضي، بحسب بيان النقابة حول هذا الموضوع.

في دفتر شروط العقد، كان يفترض بالشركة أن تقدم كشف حساب إلى النقابة كل ثلاثة أشهر. الكشف الأول أظهر فائضاً للنقابة يقدر بـ200 ألف دولار (الفارق بين الاشتراكات والمبالغ المدفوعة للشركة). لكن ما حصل أن الكشوفات الفصلية غابت لاحقاً لتقدم الشركة فواتير بقيمة 25.9 مليون دولار تقريباً عن العام الأول للعقد، بينما وصل مجموع ما حصّلته النقابة إلى 21.4 مليون دولار، أي أن الفائض الذي بدأ مع بداية العام تحول إلى عجز كبير في نهايته (4.5 ملايين دولار).

كيف حصل ذلك؟

يعتبر محامون معنيون أن الشركة لم تلتزم بشروط العقد المتعلقة بالحسومات، والتي تنص على تقديمها حسماً "بنسبة 7 بالمئة من الحجم السنوي الإجمالي للمطالبات المتعلقة بفواتير المنتسبين لصندوق النقابة.. من دون استثناء أي من بنود الفاتورة الاستشفائية". كما لم تتقاسم التعرفات التفضيلية التي تحصل عليها من المراكز الطبية المختلفة مع النقابة، كما ينص العقد (تستفيد الشركة من 30 بالمئة مقابل 70 بالمئة للنقابة). أضف إلى أنها ترفض إبراز الأسعار التفضيلية التي تحصل عليها.

وبحسب تقديرات متداولة بين المحامين، فإن التزام الشركة بهذه الحسومات كان سيؤدي إلى انخفاض الفاتورة إلى 18.3 مليون دولار، وبالتالي تحقق النقابة فائضا يصل إلى 3.1 ملايين دولار، بدلاً من الوقوع في عجز بقمية 4.5 ملايين دولار. وعليه، فإن الخسارة الفعلية للنقابة، في حال التسليم بالفواتير المقدمة من الشركة، يمكن أن تصل إلى نحو 8 ملايين دولار!

هذا الأمر دفع أحد المحامين إلى رفع مذكرة في آب الماضي إلى النقيب الهاشم وأعضاء مجلس النقابة، يعيد فيها نبش عقد التعاون الموقع بين النقابة والشركة، لكن لم يرد أحد من مجلس النقابة على المذكرة حتى الآن، فيما كان أول تعاط لمجلس النقابة مع هذا الأمر يوم الجمعة الماضي، إذ عقد اجتماعا لبحث الملف، لكنه انتهى إلى الفشل، فتم تأجيل القضية إلى يوم أمس حيث عُقد اجتماع آخر حضره كل النقباء السابقين، وقدم النقيب خلاله اقتراحا للحل يقضي بتمديد عقد الشركة لثلاث سنوات إضافية، وبحسب المؤيدين لهذا الحل "فإن الطرح يؤدي إلى رفع الخسارة عن النقابة من خلال معالجة بعض الثغرات في العقد مع نص واضح على عدم تحميل النقابة أي خسائر طوال سنوات مدة العقد، وذلك من خلال إعادة النظر في عملية إعادة التأمين" التي يرى محامون أنها السبب الرئيسي للخسارة.

هذا الطرح لم يحظ بموافقة النقباء السابقين (9 نقباء) الذين حضروا اجتماع أمس، إضافة إلى خمسة أعضاء من المجلس على اعتبار أنه سيؤدي إلى تحميل المحامين نسبة زيادة، على مبلغ التأمين، مقدارها خمسة في المئة. تشير مصادر هؤلاء لـ "السفير" إلى أن "عرض "غلوب مد" كان مبهماً، وعلى الرغم من ذلك طرحه النقيب كما هو، وعندما رفضنا أُجّلت الجلسة لبحث الموضوع مجددا مع الشركة".

يرفض هؤلاء الاقتناع بقبول "غلوب مد" بتحمل الخسارة من دون أن تكون هناك خفايا ما تؤدي إلى زيادة أرباح الشركة بطريقة كبيرة، خصوصا من خلال لعبة "الأسعار التفضيلية"، التي تحصل عليها الشركة، فيما هي من حق النقابة بحسب العقد المبرم بين الطرفين والذي ينص على "إعطاء النقابة الحق بالاستفادة من الشروط التفضيلية المتفق عليها مع "غلوب مد" طيلة الفترة التعاقدية". لكن هذا الأمر (الأسعار التفضيلية) لا يزال سرا لا يعلم به المحامون حتى اليوم.

وتتساءل المصادر عن سبب إصرار البعض على المضي بخيار تمديد العقد مع الشركة، علما أنها خالفت العقد في أكثر من بند، وتلفت النظر إلى أن الحل يكون بفسخ العقد معها لمخالفتها بنوده والعودة إلى شركات التأمين، أو فسخ العقد على مسؤولية الشركة وتحميلها المسؤولية كاملة، أو أن يبقى العقد شرط أن تتحمل الشركة الخسارة وإجراء مراجعة حسابية للفواتير عبر مكتب مختص، تحديدا الفواتير المقدمة من الشركة ومقارنتها مع المبالغ الفعلية المدفوعة، خصوصا أن المعترضين يعتبرون أن الأموال الناجمة عن "الأسعار التفضيلية" هي من حق النقابة لا الشركة.

بعيدا عن علاقة الشركة بالنقابة والحلول المطروحة، يؤكد محامون في النقابة "اننا ضحية عملية غش واحتيال"، ويشير هؤلاء إلى خطأين وقعت فيهما النقابة منذ الأساس "الأول قانوني يتحمله نقيب المحامين السابق ومجلس النقابة السابق، الذين وقعوا العقد من دون الاطلاع عليه، أما الثاني فتقني، وتتحمله الشركة التي قدمت معلومات خاطئة إلى النقابة".

ويشدد هؤلاء على أن "النقيب السابق خالف القانون إذ لا يحق له توقيع عقد كهذا لأنه عقد شراكة وليس عقد إدارة". وفيما يجهد النقيب الحالي لإعلان الحل في الجمعية العمومية الأحد المقبل، تخسر النقابة مبلغ 13 ألف دولار يوميا منذ أول نيسان الماضي، ليبقى سؤال المحامين: ما الذي يدفع الشركة إلى تحمل الخسارة إذا لم تكن الأرباح خيالية؟

(السفير)