طوى لبنان صفحة الفراغ الرئاسي أمس بانتخاب قائد الجيش السابق ميشال عون رئيسا للجمهورية بأكثرية ثلاثة وثمانين صوتا من أصل مئة وسبعة وعشرين نائبا حضروا الجلسة.

ولم يستطع ميشال عون الفوز في الدورة الأولى، واضطر رئيس مجلس النواب نبيه برّي إلى الدعوة إلى ثلاث دورات أخرى انتخب ميشال عون بعدها رئيسا بالأكثرية البسيطة.

ويضمّ مجلس النواب اللبناني 128 عضوا استقال أحدهم، وهو نائب طرابلس روبير فاضل، وقُبلت استقالته.

وهذا يعني أنّه لم يتغيّب عن جلسة انتخاب الرئيس أي نائب، فيما بدا واضحا أنّ هناك كتلة متراصة ضمّت 36 نائبا صوت أعضاؤها بأوراق بيض تعبيرا عن رفض ميشال عون رئيسا.

وحرمت الأوراق البيض ميشال عون من الوصول إلى رئاسة الجمهورية في الدورة الانتخابية الأولى.

وتميّز خطاب القسم الذي ألقاه الرئيس المنتخب في مجلس النواب، مباشرة بعد إعلان نتيجة الانتخابات بلهجة تصالحية، إذ ركّز على أهمية معالجة الوضع الاقتصادي فضلا عن مشكلة النزوح السوري. كذلك كان ملفتا في خطاب القسم إعلان الرئيس المنتخب تمسّك لبنان بميثاق جامعة الدول العربية في محاولة واضحة لعدم استفزاز دول الخليج التي شكت في الماضي القريب من المواقف التي اتخذها وزير الخارجية جبران باسيل “صهر ميشال عون” في الاجتماعات العربية والإسلامية.

وتميّزت مواقف باسيل في الاجتماعات العربية والإسلامية بالانحياز الواضح إلى وجهة النظر الإيرانية تلبية لرغبات حزب الله.

خيرالله خيرالله: ليس في تاريخ عون ما يشجع على التفاؤل وسعى الرئيس المنتخب إلى تأكيد الالتزام باتفاق الطائف الذي انبثق الدستور المعمول به عنه وإيمانه بالعمل من أجل تطوير الاقتصاد والنأي بالنفس عن الأحداث الدائرة في سوريا. وهذه وعود تعهد بالتزامها أمام رئيس تيار المستقبل سعد الحريري في اللقاءات التي مهدت لإعلان الحريري تبنيه ترشيح ميشال لرئاسة الجمهورية.

وانقسم الشارع اللبناني بين متفائل بقدرة ميشال عون على تنفيذ وعوده ومتشائم بذلك في ضوء العلاقة العضوية التي تربطه بحزب الله.

واعتبر أن الامتحان الأول الذي سيواجه ميشال عون هو القدرة على مساعدة سعد الحريري في تشكيل حكومة متوازنة على وجه السرعة.

ويتوقع أن يكلف الرئيس المنتخب زعيم تيار المستقبل تشكيل الحكومة الجديدة في غضون ثلاثة أيام وذلك بعد إجراء مشاورات نيابية “ملزمة”.

وتقول مصادر سياسية إن تسهيل مهمة الحريري ستعكس رغبة لدى حزب الله وحلفائه في دعم عهد ميشال عون، أقلّه في الأشهر القليلة المقبلة، وذلك في انتظار ما سيستقر عليه الوضع في سوريا حيث الحزب متورط في الحروب الدائرة فيها إلى جانب نظام بشّار الأسد.

ولا يبدو أن عون سيكون حلا لمعضلة البلاد في ظل انحيازه المسبق لحزب الله الذي كان له الفضل في فرضه مرشحا للرئاسة.

ورغم أن انتخاب رئيس جديد أفضل من استمرار حالة الفراغ، فإن متابعين للشأن اللبناني يرون أن الرئيس الجديد سيجد نفسه محاصرا بمصالح حزب الله وحساباته في الداخل والخارج.

واعتبر الكاتب السياسي اللبناني خيرالله خيرالله أنه ليس في تاريخ ميشال عون ما يشجّع على التفاؤل. لكنّه كان “مخاطرة” لا مفرّ منها بعدما اعتبر حزب الله الذي جعله على رأس كتلة من عشرين نائبا، الخيار الوحيد في حال كان مطلوبا سدّ الفراغ الرئاسي.

ومن الواضح أن مهمة عون الأولى ستكون دعم المبررات التي يقدمها حزب الله لتثبيت هيمنته على البلاد عبر التخويف بالسلاح، وهو الأمر الذي يفسر صمت الكثير من اللبنانيين على تدخله العسكري في سوريا دون أي مسوغ قانوني أو سياسي بعد أن نجح لبنان في فك ارتباطه بنظام الرئيس السوري بشار الأسد إثر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

ويعني السكوت على استمرار سلاح حزب الله واختراقه للمؤسسات القبول بأن تظل الدولة ضعيفة، وأن يكون دور رئيس الجمهورية أقرب إلى تصريف مصالح حزب الله من تصريف أمور الدولة.

ولا يستطيع عون أن يرمم علاقات لبنان الخارجية طالما لم يحدد موقفا واضحا من سلاح حزب الله، ومن تدخل الحزب الشيعي الموالي لإيران في سوريا. فكيف يمكن أن تقوم دول مثل السعودية وفرنسا والولايات المتحدة بتسليح الجيش اللبناني ليكون القوة الوحيدة المخولة الإمساك بالسلاح فيما رئيس الجمهورية يتولى التغطية على السلاح الموازي.

وقد لا يجد الرئيس الجديد الوقت لترميم الاقتصاد اللبناني الذي تأثر بالأزمة السورية، خاصة مع ارتفاع أعداد اللاجئين، فضلا عن الإسفين الذي دقه حزب الله بين لبنان ودول الخليج التي لن تتحمس بالتأكيد لضخ الاستثمارات أو تنشيط السياحة اللبنانية طالما أن الحزب يتحكم في مؤسسات الدولة.

صحيفة العرب