قبل بضعة ايام سرت في الاوساط السياسية معلومات عن لقاء ليلي جمع الامين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله مع عدد من الكوادر والقيادات المتقدمة في الحزب، وتمحورت اسئلة هؤلاء على ملف الرئاسة الاولى واحتمالاته، لاسيما وقد تعززت مناخات قبول الرئيس سعد الحريري بالعماد ميشال عون رئيسا. وكانت خلاصة إجابات سيد الحزب الآتي: "ان الخيار الذي تبنيناه صراحة منذ بداية الشغور الرئاسي وهو تأييد وصول حليفنا العماد عون الى سدة الرئاسة في قصر بعبدا، بات قاب قوسين او ادنى من التحقق".

ولم يفت السيد في ذلك اللقاء ان يأتي بنوع من العتب الناعم على تلك الكوادر الحزبية التي راودها شك في تحقق هذا الخيار وخامرتها ريبة من امكان تفويت فرصة تبدو مضمونة بايصال الحليف الآخر النائب سليمان فرنجية الى المنصب الاول الشاغر مع اصرار قيادة الحزب على خيارها الابتدائي. حيال ذلك ما لبث بعض الحضور ان استذكر جوهر جواب السيد نصرالله للنائب فرنجية في لقائهما اليتيم بعد تزكية الحريري له مرشحا للرئاسة في معرض رده (اي السيد) على سؤال (فرنجية) وفحواه: "اذا كان صعباً ايصال مرشحكم الى قصر بعبدا فلماذا تضيّعون عليّ فرصة ان اكون انا البديل؟". فردّ السيد: "ان صمودنا كمحور في الداخل والخارج دفع الاخرين الى تبنّي ترشيحك، وبالتالي فصمودنا لوقت اطول سيدفعهم الى التسليم بتسمية المرشح الذي تبنيناه سويا منذ البداية لملء الشغور الرئاسي". ولا ريب في ان كثيرين استذكروا بالامس امام مشهد الحريري وهو يعلن رسميا ترشيح عون، هذا الجواب للسيد وتيقنوا بان موازين القوى واصرار الحزب ارست امرا واقعا عنيدا دفع الحريري وسواه للعودة الى خيار الحزب، واستطرادا الى تهيئة المناخات لاستيلاد معادلة حكم وشراكة جديدة كل الجدة. هو حدث شكل بالتأكيد كسباً معنوياً مدوياً للحزب وأدخل البهجة والثقة في نفوس جمهور الحزب العريض. ولكن من البديهي ان يكون هناك في داخل الحزب وفي قاعدته من بدأ يسأل عن كيفية صرف هذا المكسب وحصد نتائجه العملية في قابل الايام. وقد زاد هذا السؤال حدة بعد ظهور من بدأ يستشعر في طيات المكسب إياه خسائر مخبوءة ومؤجلة يمكن ان تتبدى قريباً من خلال الآتي: - امكان عودة الحريري الى رئاسة الحكومة، ما يعني تلقائيا استنهاضه وتياره من وهدة ازماته وتعويمه واعطاءه فرصة توشك ان تكون مضمونة لاستعادة ما خسره من رصيد في الاعوام الخمسة الماضية وهو كثير. - الحديث الذي يسري سريان النار في الهشيم عن تفاهمات ابرمت في ليل بين التيارين البرتقالي والازرق حول الكثير من البنود والنقاط لمرحلة ما بعد بلوغ عون قصر بعبدا، وهو ما اشار اليه صراحة الرئيس الحريري وابدى بري تخوفه منه بالاصل واستند اليه ليجاهر بمعارضته لانتخاب عون. - قطع الطريق سلفاً على اية امكانات للتغيير والاصلاح، سواء لجهة "التعهد" السرّي بتلبية شرط الحريري ابقاء قانون الانتخاب على قاعدة الاكثري وايصاد الابواب امام اي تفكير بالنسبية. - ان الحزب وإن حقق بما جرى اخيرا كسباً، الا انه امام احتمال شرخ مع حليفه الآخر الرئيس بري المعارض بلا هوادة لخيار الحزب، والذي عبّر عن استعداده صراحة للذهاب الى اقصى احتمالات المعارضة، وهو ما ينطوي على مخاطرة إحياء التناقضات بين الحزب وحركة "امل"، فتكون بذا كفّتا الربح والخسارة متعادلتين لدى الحزب. - الخشية من أثمان ثقيلة الوطأة على الحزب مؤجلة الدفع مقابل قبول الحريري بعون رئيسا. - كشْف الحريري عن حصوله على تعهد من عون بتحييد لبنان عن الازمة السورية، ما ينطوي على مخاوف تتصل بدور الحزب في سوريا وانخراطه في الميدان هناك، لاسيما ان كلام الحريري يشبه الى حد بعيد دعوة الرئيس ميشال سليمان الى تحييد لبنان عبر ما يعرف بـ "إعلان بعبدا". - الخشية من دور متقدم لـ"القوات اللبنانية" في العهد المقبل على نحو يجعلها عرّابة هذا العهد وراعيته، وهو ما يمهد طريق بعبدا امام رئيس "القوات" سمير جعجع. لا تخفي مصادر على صلة بالحزب ان قيادة الحزب المعنية بهذا الملف هي في جو هذه الشبهات وما يتصل بها من تساؤلات. لكن ثمة دوائر لا تكتم الحديث عن جدول ارباح آني ومستقبلي تتعدى المكسب الاساسي من جراء دعم الحزب للتسوية الرئاسية التي لاحت بوادرها اخيرا. ولعل الربح الابرز هو في انطواء صفحة الاتهامات المستمرة للحزب بتعطيل الاستحقاق الرئاسي من جراء امتناعه وحلفائه عن حضور جلسات انتخاب الرئيس، والربح الآخر المعادل هو في تسليم الآخرين بانه لا يمكن بعد اليوم تجاوزه في اي استحقاق مفصلي بحجم انتخاب رئيس، بدليل ان الحريري نفسه تحدث عن 3 انواع من المحاولات للالتفاف على خياره الرئاسي اخفقت جميعها بالتتابع. فضلاً عن ذلك، ثمة إقرار من الحريري بالتسليم بتسوية غير مباشرة مع الحزب، وهذا يعني استعادة الحريري الى الداخل اللبناني من جهة ولبننة اكبر لخطابه، واستطرادا استعادته الى ملعب الحزب اللاعب الاقوى فيه باعتراف الجميع. بالطبع التحول من الحريري ليس مستجداً، اذ سبقته الشراكة في حكومة الرئيس تمام سلام وفي الحوار الثنائي، ولكن الامر مختلف بعد التسوية الرئاسية. اما الخشية من كلام الحريري عن التحييد والاحتمالات السلبية لذلك على الحزب، فان الدوائر عينها تستعيد كلاما للسيد نصرالله اطلقه منذ اليوم الاول لدخول الحزب الى الميدان السوري، وفحواه: مَن اراد مواجهتي فأنا مستعد لملاقاته هناك، ومن مصلحتنا جميعا استمرار الاستقرار في ساحتنا الداخلية. وهو كلام يتطابق الى حد كبير مع كلام الحريري. وفي كل الاحوال يهيىء الحزب نفسه للتعامل مع تجربة شراكة سياسية جديدة وجدية... وأعدّ العدة لكل الاحتمالات.

 

ابراهيم بيرم