افتتح رئيس الوزراء اللبناني السابق والمقبل سعد الحريري العهد البرتقالي بعبارتين مفتاحيتين: أنا إبن رفيق الحريري وأنفقت ثروتي الموروثة على السياسة.
لا يحتاج هذا العهد إلى أكثر من ذلك، سيما أن السياسة اللبنانية في شق مهم منها، ورغم تعقيداتها، باتت ثروة وإرثاً عائلياً. ورئيس جمهوريتنا المقبل العماد ميشال عون سيلعب دور الأب أو الجد لهذه الجمهورية الحبلى بالورثة. سيدير بحكم سنه المتقدم هذا الانتقال السلس للسلطة بين أجيال مختلفة. فالجنرال، وفقاً للنكتة المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، مولود عام 1933، ما يجعله أكبر بعشر سنوات من لبنان الذي نال استقلاله عام 1943. في سن الـ83، عون مرشّح لأن يولي اهتماماً أكبر بعائلته من إرثه أو تاريخه السياسي. وليست محض صُدفة أن أولى التسريبات عن أسماء الوزراء البرتقاليين، ضمت إلى الصُهرين جبران باسيل وشامل روكز، ابنة الرئيس المرتقب ميراي عون، وهي أيضاً زوجة الصّهر الثالث ”المُغيّب“ عن السياسة روي الهاشم.
ولهذه المقاربة العائلية الشاملة في العهد البرتقالي المرتقب، إنعكاسات أوسع، أولاً داخل المنزل العوني نفسه، وثانياً على الصعيد السياسي العام.
داخل العائلة العونية نفسها، أي علاقة سياسية ستكون بين الصُهرين روكز وباسيل؟ باسيل يحمل مفاتيح عمّه وزعامة ”التيار الوطني الحر“، في حين يملك روكز قلوب البرتقاليين. للمرة الأولى، سيحظى روكز بحضور سياسي بارز، إن جاء وزيراً للدفاع كما يُروّج، وقد يطغى إعلامياً وشعبياً على عديله باسيل، الفاقد للكاريزما بكل جوانبها. روكز قائد عسكري له تاريخ من القتال في صفوف الجيش اللبناني، بدءاً من مواجهة القوات السورية التي سجنته وعذبته، وانتهاء بمعركتي البارد وعبرا. في المقابل، لا يملك باسيل تاريخاً سوى في التسلّق على أكتاف عمّه ونفوذه السياسي ورصيده الشعبي. لذا، فإن هناك معركة عائلية تلوح في أفق العهد العوني القادم لوراثة ”الجنرال“. والحال أن العلاقة بين باسيل وروكز قد تتطور إلى حساسيات ومواقف سياسية مضادة، تماماً كما حصل بين سامي ونديم الجميل. لن نكون أمام كتلة عائلية صلبة، بل متنافسة، يعمل كل فرد فيها لبناء نفوذه بمعزل عن الآخر، وأحياناً كثيرة في تعارض فج معه.
إلا أن الأهم في هذا العهد التوريثي البرتقالي، سمته العامة. فإن كان رأس الدولة يُقحم العائلة في الشأن العام إلى هذا المدى، فكيف ببقية السياسيين؟ سيُشجع تعيين 3 أفراد من عائلة الرئيس في مناصب حساسة، بقية رجالات الطبقة السياسية على إخراج ورثتهم من الخزانة، حتى لو مبكراً (قبل فوات الأوان). يُضاف الى ذلك أننا أصلاً في عصر التوريث السياسي، من طوني سليمان فرنجية وتيمور وليد جنبلاط وميشال رينيه معوض إلى سامي أمين الجميل ونديم بشير الجميل وغيرهم الكثير الكثير. حتى النائب طلال أرسلان يدفع وريثه الأمير مجيد طلال أرسلان (22 عاماً) إلى الواجهة أكثر فأكثر بما يُوحي بإحتمال ترشيحه في الانتخابات النيابية أسوة بأبناء بقية السياسيين.
لكن التوريث أكثر تعقيداً من قرار الأب أو العمّ، في الحالة البرتقالية، وهو يرتبط أيضاً بالخلافات والحساسيات بين الأبناء والأصهرة. وهذه ستكون إحدى سمات حياتنا السياسية. سامي سيُواجه نديم، وخلافات بهاء وسعد الحريري قد تتعمق. ورغم أن وليد جنبلاط اختار تيمور خليفة له، لكن إبنه أصلان وريث مالي وعقاري أيضاً. وكما أظهر بهاء أخيراً، فإن المال لاعب أساسي في المعركة بين الورثة.
رغم أن الواحد منّا يأمل بعهد مسؤول يحفظ مصالحنا ويُنقذ ما تبقى من اقتصاد ومؤسسات مالية، إلا أن الإدارة والمسؤوليات وجهتها مختلفة في هذا العهد، وستتوزع ليس بين الأكفاء والتكنوقراط، بل بين غرف البيت الواحد.

مهند الحاج علي