كسب التيار "الوطني الحر" جولة مهمة في مسيرته السياسية بفرض مرشحه لرئاسة الجمهورية رئيس تكتّل "التغيير والاصلاح" العماد ميشال عون، اولاً على خصومه بالأمس كحزب "القوات" وتيار "المستقبل"، في الوقت الذي فشل فيه رئيس تيار "المردة" النائب سليمان فرنجية بالخطوة نفسها. لم يستطع نائب زغزتا أن يقنع حليفه الأبرز "حزب الله" بتبني ترشيحه. الحزب يبرر ضمنياً هنا بأن المفاضلة جرت بين عون وفرنجية على أساس نسب التمثيل الشعبي والنيابي عدا عن الوعد للجنرال. أما عون فإستطاع حياكة اتفاق مع خصمه التاريخي رئيس حزب "القوات" سمير جعجع على أساس تبني ترشيح "الجنرال" للرئاسة. لم يقتنع "القواتيون" بما جرى، لكن "الحكيم" يخطط لمستقبل يستطيع من خلاله جذب أكبر عدد من العونيين الى حزبه او مناصرته او دعمه او عدم الممانعة في ترشحه للرئاسة لاحقاً. اليوم باتت تُرفع رايات "القوات" في تحركات التيار. انه إنجاز لجعجع على مستوى كسر الجدار الشعبي الّذي كان يضعه العونيون في وجه المدّ القواتي. الغريب ان عون لم يسمح سابقاً لفرنجية بالإمتداد. قد يكون "المردة" مسؤولاً عن ضعف شعبيته على المساحة الوطنية. حصر نفسه في زغرتا وبعض محيطها ولم ينطلق بفاعلية الى مساحات أوسع. ولم تزداد أعداد كادراته، وبقيت الوجوه هي نفسها من دون زيادة منذ عام 2007 الى اليوم. هنا تقع المسؤولية على فرنجيّة الذي راعى عون كما يُردّد، ولم يحسب حسابات سياسية أبعد من حدود المرحلة التي كان يعيش بها. او هي مناطقية محدودة يحصر بها "المردة" نفسه، لأن كل قياداته من زغرتا. فرنجية لم يترك محطة ولا مناسبة إلاّ وتقرب فيها من حلفائه كما فعل مع "حزب الله"، لكن الحزب فضّل عون عليه. انها حسابات الشعبيّة لا المواقف السياسية والعاطفية فقط. هذا التحدّي أمام "المردة" سبق ان خسره منذ انطلاقته رسمياً حتى الآن. وفي حال وصول عون الى سدّة الرئاسة لن تكون ظروف "المردة" أفضل بسبب استفادة متوقعة لرئيس التيار "الوطني الحر" وزير الخارجيّة جبران باسيل من جنّات الحكم في منافسة فرنجيّة المحروم منها في حينها. حتى الآن كسب باسيل وأخفق فرنجية. لا خيار أمام "البيك" الاّ المواجهة السياسيّة التي بدأها اليوم بإصراره على المضي بالترشح للرئاسة. تراجعه يعني الاستسلام المبكّر وسيحصد نتائجه لاحقاً. هذا الترشح يدفعه من حالة التقوقع في زغرتا الى المنافسة الديمقراطية في رحاب الوطن. مجرد حصول فرنجية على عشرات الأصوات، يعني تمثيلاً تُقاس نِسَبَه بحسب الأعداد.  يستطيع حينها التباهي بخوضه منافسة ديمقراطية شجاعة. بالنسبة الى الحريري الموضوع مختلف. قاد نفسه من تمثيل وطني واسع عريض الى مساحة أضيق. فإذا بالشيخ سعد اليوم لا يمون على نوّاب كتلته. يستسلم في السياسة لخصومه ويقدّم التبريرات. تكثر في شارعه ظاهرة التمرّد كما الحال مع وزير العدل المستقيل اللواء أشرف ريفي، ويخطط آخرون لخلافته في رئاسة الحكومة. التحدّيات التي سيواجهها الحريري بالجملة. هل يستطيع ضبط تياره بعد فقدانه ثروته الماليّة كما أقر؟ من يدفع المستحقّات؟ هو يخطّط للعودة الى السراي الحكومي لوقف النزيف السياسي الذي يصيبه. لكن هناك ما يحول دون عودته هذه المرّة. لا تكفي ضمانة عون له بالعودة. سيُسمّى الحريري رئيساً لتأليف الحكومة. لكن هل يستطيع التشكيل؟ بالطبع هناك مطبّات تنتظره وستمنعه من ترؤس حكومة الى حين موعد الانتخابات النيابية. هنا السؤال المحوري: أي كتلة ستكون للحريري؟ لا توحي بيروت أنّها في جيب التيار الأزرق كما كانت. نتائج الانتخابات البلدية أكبر دليل. هذه المرّة سيخسر المزيد من الأصوات السنيّة والشيعيّة. هذا ما تعبر عنه شكاوى الناس. جولة واحدة في الطريق الجديدة الآن كافية للدلالة على ذلك. هل يستطيع مواجهة تمرّد ريفي في طرابلس او المدّ الميقاتي ( نسبة الى رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي)؟. لا توحي نتائج الانتخابات البلدية بذلك. حال البقاع الغربي وصيدا وعكار والشوف مشابهة. قلق وشكاوى وتذمر يكبر في صفوف المواطنين. لن يكون اختيار الحريري لترشيح عون سبباً محورياً للتذمر الشعبي في صفوف مناصريه. هناك أسباب بالجملة تضع التيار الأزرق في مساحة القلق على المستقبل. الخلاف مع رئيس مجلس النواب نبيه بري سيُفقد الحريري حليفاً مستتراً كان يعينه في أصعب اللحظات ظالماً أو مظلوماً. اليوم تغيّر الوضع وصار الشيخ سعد قلقاً من معارضة برّي له. ستكون لهذه المعارضة تداعيات تُترجم في إخفاق الحريري بتأليف حكومة.