يشكل الشيرازيون (اتباع الامام الراحل محمد الشيرازي) أحد أنشط التيارات الشيعية التي برزت في السنوات الاربعين الماضية، وقد كانت انطلاقتهم الاساسية في كربلاء العراق، لكنهم نجحوا في الامتداد نحو العديد من الدول العربية والاسلامية وخصوصا ايران والكويت والسعودية ولبنان والبحرين وسوريا. وكان الشيرازيون المنافس الاساسي لانصار حزب الدعوة العراقي في العديد من الساحات السياسية. ورغم ان "الدعوتيين" كانوا الاكثر انتشارا وتنظيما واصحاب مشروع فكري اسلامي متكامل، فان الشيرازيين نجحوا في تحقيق اختراقات مهمة في الواقع الشيعي ولا سيما بعد انتصار الثورة الاسلامية الايرانية، وقدرتهم على الحصول على امكانات مالية واعلامية وعسكرية ضخمة حيث كان لهم دور كبير في العديد من النشاطات العسكرية في عدد من الدول العربية، لكن دورهم انحسر في السنوات العشر الاخيرة على الصعيدين السياسي والعسكري بعد حصول خلافات بين قادتهم ومسؤولي الجمهورية الاسلامية الايرانية، لكنهم نجحوا في تحقيق انجازات اعلامية وثقافية كبيرة من خلال عدد من الفضائيات التي يمتلكونها وخصوصا "الانوار" و"الزهراء"، وتركيزهم على نشاطاتهم التعبوية ومجالس العزاء ولاسيما في كربلاء والكويت ولبنان والبحرين. وهم يشكلون اليوم احد ابرز التيارات الشيعية التي تنطلق من خلال تعزيز التعبئة المذهبية ونشر اعمال التطبير (ضرب الرؤوس والسلاسل) واقامة المسيرات العاشورائية الضخمة. فمن هم هؤلاء الشيرازيون؟ وما هي امتداداتهم التاريخية والجغرافية؟ وماذا عن نشاطهم التعبوي والاعلامي ولاسيما في الكويت ولبنان؟ واي مستقبل لهم في المرحلة المقبلة؟ 

 
البداية التاريخية 
 
ينتسب لعائلة الشيرازي العديد من المراجع والقيادات الشيعية ومن ابرزهم قائد ثورة العشرين (1926) في العراق ضد الاحتلال الانكليزي الامام الحائري الشيرازي، وحاليا المرجع المجدّد في ايران اية الله العظمى السيد ناصر مكارم الشيرازي وهو يقيم في قم. اما الشيرازيون الذي نتحدث عنهم في هذا التقرير فتعود بداياتهم الى المرجع السيد عبد الهادي الشيرازي والذي توفي في ستينات القرن الماضي فخلفه ولده السيد مهدي الشيرازي والذي لم يستمر طويلا في مرجعيته فخلفه نجلاه الامام محمد الشيرازي (العراق) والامام حسن الشيرازي (الذي انتقل من العراق الى لبنان). وكان الشيرازيون يركزون على جلسات الشباب الحسيني والمدارس الدينية ومدارس حفظ القرآن واصدار النشرات الاعلامية والثقافية. ومن قادة الشيرازيين آية الله السيد محمد تقي المدرسي (وهو تلميذ الامام الشيرازي) وشقيقه السيد هادي المدرسي. 
وحسبما يذكر الباحث الدكتور علي المؤمن في كتابه ("سنوات الجمر" والذي يؤرخ للحركة الاسلامية العراقية) فان بدايات الشيرازيين كانت ما بين العام 1965 و1967 وكانوا ينشطون في كربلاء باسم "حركة الرساليين – الطلائع" وحركة المرجعية. وكان هذا التيار يواجه معارضة من المرجعيات الشيعية في النجف ولاسيما مرجعية الامام محسن الحكيم. 
اما الصيغة الابرز التي تحرك باسمها الشيرازيون في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته فكانت منظمة العمل الاسلامي والتي تأسست في الجمهورية الاسلامية الايرانية في 13 نيسان 1979 باشراف الامام محمد الشيرازي وتحت رعايته وتولى قيادتها السيد محمد تقي المدرسي، وكان الناطق الرسمي باسمها الشيخ محسن الحسيني، ومن قيادييها السيد هادي المدرسي والسيد كمال الحيدري والذي انشق عنها لاحقا. 
وقد لقي الشيرازيون دعما كبيرا من الجمهورية الاسلامية الايرانية وخصوصا من قبل الحرس الثوري الايراني وبعض الاوساط القريبة من آية الله المنتظري وخصوصا مهدي الهاشمي شقيق صهره السيد هادي الهاشمي. وانتشر الشيرازيون في سوريا ولبنان والبحرين والكويت والسعودية واسسوا العديد من المنظمات: كالجبهة الاسلامية لتحرير البحرين، ومنظمة الثورة الاسلامية في الجزيرة العربية (السعودية)، وكان لهم دور فاعل في ايران من خلال المؤسسات الاعلامية (كمجلة الشهيد) بالاضافة الى تغلغلهم في المؤسسات الايرانية. واما في لبنان فكان ابرز رموزهم الامام حسن الشيرازي الذي كان يلقى دعما من رئيس مجلس النواب الاسبق كامل الاسعد، وقد برزت بعض الخلافات بينه وبين الامام موسى الصدر، الى ان جرى اغتياله في اوائل الثمانينات ويُقال ان حزب البعث العراقي كان يقف راء عملية الاغتيال. 
واسس الشيرازيون في لبنان عددا من المجلات والمؤسسات الثقافية والدينية والحوزات العلمية ومنها مجلة "عفاف" المختصة بقضايا المرأة.

 
مميزات الشيرازيين
 
يتميز الشيرازيون بالحيوية والقدرة الكبيرة على اقامة المؤسسات الاعلامية والثقافية ونشر الكتب والمؤلفات واقامة الحسينيات ومجالس العزاء وصولا الى امتلاك القنوات التلفزيونية الفضائية. 
ولقد أصدر الامام محمد الشيرازي عشرات المؤلفات من أجل تأكيد مرجعيته ودوره الفكري والفقهي في ظل المواجهات التي خاضها ضد المرجعيات الاخرى في النجف.
اما السيد هادي المدرسي (شقيق السيد محمد تقي المدرسي) فقد اتبع اسلوب الكتابة المبسطة من خلال اصدار مئات الكتيبات الصغيرة والكتب المتنوعة والتي تتناول كل قضايا الحياة والهموم الاجتماعية ويعتمد في اسلوبه على مخاطبة الشباب مباشرة ومحاورتهم. 
ولقد حرص الشيرازيون واتباعهم على التركيز على مجالس العزاء والمواكب الحسينية لأنها تؤدي لاكتساب جماهير واسعة وتصل الى الاوساط العامة وهم يركزون على الجوانب العاطفية والتعبئة المذهبية.
ولقد تخرج من المدرسة الشيرازية عشرات العلماء والمثقفين والذين اختلفوا مع هذه المدرسة واتبعوا اساليب اخرى كما انهم نجحوا في اطلاق افكار تجديدية في الواقع الاسلامي، ولعل من ابرز الانشقاقات التي تعرض لها الشيرازيون المجموعات التي تعمل في المملكة العربية السعودية ومن ابرز رموزها الشيخ حسن الصفار والاستاذ زكي الميلاد والاستاذ محمد المحفوظ والذين نجحوا في انهاء الخلاف مع السلطة في السعودية واعتمدوا اساليب جديدة في العمل الاسلامي والحوار مع مختلف التيارات الاسلامية وخصوصا التيار السلفي. 
واما في العراق والكويت والبحرين ولبنان فقد اعتمد الشيرازيون على وسائل الاعلام والفضائيات والانترنت لنشر افكارهم وتعتبر فضائيتا "الانوار" و"الزهراء" من اهم الفضائيات الشيعية في الوقت الحاضر وهما تركزان على نقل مجالس العزاء التي تقام في كربلاء والكويت وبعض الدول العربية والاسلامية ولهما حضور بارز في الاوساط الشيعية. 

العلاقة مع ايران 
 
حظي الشيرازيون وخصوصا منظمة العمل الاسلامي بدعم كبير من العديد من الجهات الايرانية وخصوصا خلال الحرب العراقية– الايرانية، واقام معظم قادة الشيرازيين في ايران لفترة طويلة. وتولى مهدي هاشمي (شقيق صهر الشيخ منتظري هادي الهاشمي) رعاية الشيرازيين وتقديم الدعم المادي والمعنوي والاعلامي لهم. وكان العمل يتم من خلال " مكتب دعم حركات التحرير" والذي تأسس بدعم من الحرس الثوري الايراني. وانطلق الشيرازيون للتحرك في العديد من الدول العربية وخصوصا العراق والكويت ولبنان وسوريا والبحرين والسعودية، وان كان التحرك الميداني الابرز في البحرين والسعودية من خلال الجبهة الاسلامية لتحرير البحرين ومنظمة الثورة الاسلامية في الجزيرة العربية. وحصلت صدامات كثيرة بين الشيرازيين والسلطات البحرينية والسعودية، لكن هذه التحركات لم تصل الى اية نتيجة عملية خصوصا بعد انتهاء الحرب العراقية – الايرانية، وبروز الخلافات بين الايرانيين والشيرازيين بعد اعدام السيد مهدي الهاشمي لدوره في كشف "ايران – غيت". 
وبعد احتلال العراق الكويت وحصول حرب الخليج الثانية بدأت تبرز اتجاهات جديدة في اوساط الشيرازيين تدعو للمصالحة مع الحكام العرب، وتم التجاوب مع المبادرات التي أطلقها حاكم البحرين والمسؤولون السعوديون وعاد العديد من هؤلاء الى بلدانهم واتخذوا مواقف وافكاراً جديدة اخرجتهم من المدرسة الشيرازية التقليدية واصبح لديهم افكارا تجديدية تدعو للمصالحة الوطنية وتركز على البناء الثقافي والديني. 
وبعد وفاة الامام محمد الشيرازي وتولي نجله السيد صادق الشيرازي المرجعية من بعده، وبعد الاحتلال الاميركي للعراق برزت بعض الخلافات بينهم وبين الايرانيين وقد اتهم الشيرازيون السلطات الايرانية بالتضييق على قيادتهم المقيمة في قم لكن الايرانيين ينفون ذلك. 
واما في الجانب الفقهي والفكري فقد برزت خلافات اخرى مع الايرانيين بعد اعتراض الشيرازيين على الفتوى التي اصدرها الامام الخامنئي بتحريم التطبير وضرب السلاسل ورفض الشيرازيون الالتزام بها. 
وفي العراق لا يزال الشيرازيون ينشطون تحت قيادة السيد محمد تقي المدرسي لكن دورهم السياسي والشعبي بقي محدودا ولم يتحول الى قوة فاعلة في المشهد السياسي العراقي. 

 
اشكاليات الشيرازيين 
 
يواجه الشيرازيون اليوم اشكالية كبيرة بين ادعائهم انهم دعاة للتجديد في الفكر الاسلامي والواقع السياسي، واعتمادهم اساليب تعبوية تعتمد على الاثارة المذهبية والعاطفية وخصوصا من خلال القنوات الفضائية التعبوية المخصصة للمجالس الحسينية وكذلك رفضهم للفتاوى التي تحرم التطبير وضرب الرؤوس والاجساد بالسلاسل والحراب، وقد اثار عدد من قرَّاء مجالس العزاء الذين يلقون مواعظهم من بعض المنابر الاعلامية والشعبية عند الشيرازيين الكثير من الاشكالات في بعض الدول العربية بسبب خطابهم التحريضي ضد المذاهب الاسلامية. 
ورغم ان المدرسة الشيرازية قد خرَّجت العشرات من العلماء والكتاب والاعلاميين والذين يدعون للتجديد والاعتراف بالآخر والتركيز على الانتماء الوطني، فان من بقي هذه المدرسة من علماء ووعاظ لايزال يركز على المجالس الحسينية كوسيلة اساسية من وسائل التعبئة، وقد ادى انتشار الفضائيات واستخدامها في بث المجالس الحسينية مباشرة ما يرافقها احيانا من ضرب للرؤوس او مسيرات السلاسل الى تقديم صورة سلبية عن الشيعة. 
لكن مهما قيل عن اخطاء الشيرازيين والملاحظات على ادائهم الاعلامي والشعبي فانهم يشكلون اليوم احد ابرز التيارات الفاعلة في الواقع الشيعي مما يتطلب المزيد من القاء الضوء على ما يقومون به وعما اذا كان خطابهم يخدم الواقع الشيعي او انه يقدم صورة سلبية عن التشيع ومشروعه الفكري والتجديدي. 
وفي ضوء هذه المعطيات يمكن القول ان خلف الواجهات الاعلامية التي يتحرك من خلالها الشيرازيون تكمن ظواهر وبيئات شيعية كبيرة تستحق الدراسة والاهتمام في واقعنا الحالي بعيدا عن الصورة النمطية المسبقة.