توحي حركة سعد الحريري وكأنه استحصل على «القرار» بمباركة السعودية توجّهه لترشيح النائب ميشال عون لرئاسة الجمهورية. وهو يتصرّف على هذا الأساس، رغم أنه عاد من الرياض قبل أيام.. بلا قرار. المحيطون بالحريري يؤكدون جدّيته في التوجّه نحو عون، مع أنه يدرك مدى صعوبة هذا الأمر عليه، حتى إنه وكتدليل على هذه الجدّية، مازح أحد الأصدقاء بقوله ما مفاده «أنا جئت الى لبنان، وأضع حزاماً ناسفاً وسأنفّذ عملية انتحارية».بعد عودته من الرياض، قال الحريري إنه لم يتبلغ من السعودية بعد قراراً يبارك توجهه لترشيح عون، أبلغ ذلك الى نواب كتلته، وأوفد الى الرابية مَن يقول ما مفاده بأنّ «الأمور إيجابية في المملكة، صحيحٌ أنني لم أتبلغ قراراً من المملكة بعد، لكنّ الأمور إيجابية».

معنى ذلك أنّ الحريري ما يزال في النقطة الوسط والمتساوية بين القرار واللاقرار، وكلامه عن عدم تلقّيه قرار المملكة بعد، يستبطن إشارة غير مباشرة الى أنه ما يزال في مربع انتظار الموقف النهائي للمملكة.

على أنّ التبليغ المتجدّد من الحريري الى الرابية، كان بمثابة دافع إضافي ليرفع معنوياتها الرئاسية أكثر فأكثر. والمتتبّع لاجواء الرابية يلمس لمسَ اليد أنّ الحريري قطع مسافة كبيرة جداً في كسب الودّ العوني والدخول الى عمق قلب الجنرال. وأكثر من ذلك ركبت «الكيميا الرئاسية» بينهما الى حدّ أنهما وفي اللقاء الأخير بينهما في الرابية، كانا منسجمين الى أبعد الحدود واتفقا على خطواتٍ مشترَكة.

وربطاً بهذه الخطوات، يقول مرجع كبير إنه تلقّى بعض النماذج من هذه الخطوات، ومنها «أنّ عون وبعدما سمع من الحريري تأكيده السير به
مرشحاً رئاسياً، سأله ما مفاده: هل تنزل الى جلسة الانتخاب في مجلس النواب، حتى ولو بقي بري معارضاً؟ فردّ الحريري ما مفاده: «نحن نحاول ونسعى مع بري، ولكن إن بقي معارضاً، فأنا سأنزل معك»؟

فاتصلت على الفور بـ»حزب الله» ووضعته في صورة ما تبلغته من الحريري، وبناءً على ذلك تمنّت على «حزب الله» أن يسعى الى تليين موقف الرئيس نبيه بري «لأنه ثبت لدينا بشكل قاطع بأنّ الحريري صادقٌ وجدّي جداً في توجّهه لترشيح عون، والأجواء التي عاد بها من السعودية إيجابية جداً، وبالتالي لم يبقَ إلّا بري، وعلى هذا الأساس يُفترض أن تكون مساعيكم معه حثيثة لإقناعه وتليين موقفه».

في اعتقاد المهتمّين بجسر العلاقة بين بري وعون، أنّ الكرة في ملعب الأخير للانفتاح على بري، وقد أرسلت الى الرابية «رسائل صديقة» تنصح بالجلوس معاً والمصارحة، والتفاهم والتوصل الى قواسم مشترَكة، مقرونة بالقول «لا يظنّ أحدٌ بأن يستطيع أن يعبر الى رئاسة الجمهورية، وبري غير موافق على ذلك، أو بمعزل عنه أو رغماً عنه، حتى ولو كان هذا الـ»أحد» ضامناً للأصوات النيابية التي تخوّله الفوز بالرئاسة».

إلّا أنّ بلوغ التفاهم بين بري وعون، على ما يقول المهتمون، ليس بالأمر السهل، خصوصاً وأنّ المسألة ليست شخصية، أو تُحل على طريقة غسل القلوب وما الى ذلك من مجاملات.. بل هي أبعد من ذلك بكثير، وبالتالي نسبة النجاح هنا ضئيلة بين 50 الى 55 في المئة على أبعد تقدير، فما يطرحه رئيس مجلس النواب حول ما سمّي «سلّة التفاهمات» ليس برسم عون، بل برسم القوى السياسية كلها، وإن فرضنا أنّ عون يمكن أن يعطي شيئاً في السلّة أكان في الحكومة أو الحقائب أو غير ذلك، فماذا عن قانون الانتخاب؟ المعني الأساسي هنا هو الحريري، فهل يجازف بالذهاب الى قانونٍ انتخابيٍّ جديد يمكن أن يخسّره الأكثرية النيابية التي يمتلكها؟

وسط هذا المشهد، بري يشغّل «أنتيناته» في شتى الاتجاهات، ولكي يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الاسود، ويقف عن كثب على ما في جعبة الحريري وما سيقدم عليه بعد عودته من السعودية تحديداً، أوفد بري الوزير علي حسن خليل الى بيت الوسط، ويُقال إنّ خليل لم يسمع من الحريري ما يؤكد أو حتى يوحي بأنّ السعودية قد حسمت قرارها حول توجه الحريري نحو ترشيح عون، كما لم يسمع تبدّلاً في المنحى الذي يسلكه الحريري في اتجاه عون، ووقع على مسمعه سؤال مفاده «شو البديل حتى نحرّك موضوع الرئاسة»؟

ثمّة إجماع في البلد على مقولة إنّ الحريري لو ملك الضوء الأخضر السعودي لما تأخر لحظة في إعلان ترشيح عون رسمياً ومن دون تردد، فهو وكما تؤكد كلّ الوقائع التي تحيط بحركته ومشاوراته بأنه تلقى ضوءاً أصفر أو ما يسمّيها مرجع سياسي «عدم ممانعة». فإن ربح الحريري تربح معه وإن خسر يخسر وحده. ومن هنا جاء كلامه عن أنه آتٍ لينفّذ عملية انتحارية.

يبرّر المقتنعون بمقولة «عدم الممانعة» السعودية بالقول إنّ المملكة ذهبت الى هذا الأمر، وذلك بعدما وجدت أنّ فريقها في لبنان قد تراجع وأصابه الضعف، وتبنّي ترشيح النائب سليمان فرنجية لم يحقق الغاية المرجوّة، ولذلك لم يبقَ سوى خيار عون كسبيل لتسلّم الحريري السلطة مجدّداً، بما يوقف هذا التراجع والضعف ضمن فريقه.

ولكن هناك مَن يعتبر في المقابل أنّ مقولة عدم الممانعة هي من باب تقطيع الوقت، ويسأل: لماذا لم تبلغ السعودية قرارها هذا للحريري بشكل واضح وصريح؟ وإن كانت ستعطي الحريري الضوء الأخضر فعلاً، فلماذا تأخرت حتى الآن؟ وهل ستعطيه فعلاً؟

و قبل ذلك هل هي مقتنعة بعون، وأين هي مصلحتها فيه، وهل أقنعها الحريري به، وكيف وأين ومتى؟ وقبل ذلك أيضاً هل صحيح ما يُقال إنها تخلّت عن لبنان؟ وهل صحيح ما يُقال حتى في الأوساط القريبة من الحريري «إنّ لبنان ليس ضمن جدول أولويات واهتمامات المملكة لا بل أكثر من ذلك «مش فارق معها لبنان»؟

تسجّل قراءة سياسية لموقف المملكة الإجابات التالية:

- القول بأنّ السعودية تنتظر لإنهاء الحريري مشاوراته، ومن ثمّ تحدّد موقفها، هو كلام غير واقعي.

- القول بأنّ السعودية قد تخلّت عن لبنان ليس أكثر من تمنيات لدى بعض المستعجلين للتربّع على عرش السلطة، لا بل هو خطأ قاتل له أثمانه اللاحقة على مروّجي هذه المقولة.

- لبنان كان وما يزال يمثل للسعودية ورقة شديدة الأهمية، لا بل إنّ أهمية هذه الورقة زادت أكثر تبعاً لتطورات المنطقة، فمعروف أنّ في اليد السعودية مجموعة أوراق، ورقة سوريا، ورقة اليمن، ورقة العراق.. الخ وكذلك ورقة لبنان. فإن وضعنا كلّ تلك الأوراق في الميزان، سيظهر جلياً أنّ ورقة لبنان هي ورقة مريحة وهادئة وقوية للسعودية خلافاً للأوراق الأخرى المشتعلة، كلّها أوراق ضعيفة ومربكة لها. فكيف يمكن لها أن تتخلّى عن الورقة القوية اليتيمة؟

- لنفرض أنّ السعودية ستتخلّى عن ورقتها القوية التي هي لبنان، فالبديهي القول إنها لن تتخلّى عنها مجاناً، بل لقاء مقابل فما الذي ستجنيه من ذلك وأيّ مردود ستحصده؟ هل يكفيها أن يأتي الحريري رئيساً للحكومة والحريري اليوم ليس كالحريري قبل سنوات يمتلك عناصر قوّة محلّية ودولية ومالية وسعودية؟ وهل يستطيع الحريري أن يعطيها من موقعه الجديد هذا ما تريد؟

ثمّ هل إنّ الحريري سيكون حرّاً في حكومته أم سيكون «مكبَّلاً» نظراً لوجود «حزب الله» كشريك أساسي فيها، وهل في مقدور حكومة مكبَّلة أن تعتمد سياسة تماشي السياسة السعودية وتوجهاتها ومواقفها، حتى ولو أراد الحريري ذلك؟

- في لبنان مقولة رائجة وكثيرون يصدقونها، عنوانها عدم الممانعة السعودية لترشيح عون، ولكن هناك مقولة أخرى وكثيرون يصدقونها أيضاً ومفادها أنّ السعودية حالياً في مرحلة انتظار ما سيؤول اليه مشهد المنطقة ولبنان ضمنه، وما ستؤول اليه الانتخابات الرئاسية الأميركية وتشكّل الإدارة الأميركية الجديدة، والظروف التي ستنشأ بعد ذلك.. وقد تكون تنتظر ظروفاً أفضل ممّا هي عليه الآن لتقول كلمتها في لبنان وغيره تبعاً لهذه الظروف.