يعتقد باحثون في مركز أبحاث عربي جدّي أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خرج أكثر قوّة من محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة عليه في تموز الماضي. ويعتقدون أيضاً أن علاقات تركيا مع الغرب كانت ربّما إحدى أكبر ضحاياها. وقد أكَّدت هذه الحقيقة رؤية أردوغان في موسكو يتحادث مع بوتين بعدما كان اعتذر خطيّاً قبل ذلك لإسقاط جيشه مقاتلة روسيّة "انتهكت" سماء بلاده.
ويتساءل هؤلاء إذا كان التردّي في علاقة واشنطن – أنقرة قد بلغ نقطة اللّاعودة. ذلك أن الضرر الذي حصل كبير بدءاً من فشل الاثنتين في التنسيق سوريّاً، ومروراً بانتهاجهما سياسات عراقيّة مُتناقضة، وانتهاءً بشكوك تركيا في ضلوع أميركا في المحاولة الانقلابيّة الفاشلة. لكنّهم يرجّحون أن تكون إحدى نتائجها تقارباً جدّياً بين أنقرة وطهران قد يؤدّي إلى تغييرات كبيرة في الخريطة الاستراتيجيّة للشرق الأوسط. ويعني ذلك أن أميركا قد تُواجه تكوّن معسكر غير صديق لها في سرعة تقف على رأسه أو تقوده روسيا. ولا بدّ أن يكون لهذا التطوّر أثر مهم على خريطة "الطاقة" في المنطقة وأن يتعزّز تالياً موقع موسكو في هذا الجزء من العالم.
كيف يرى الباحثون العرب الجدّيون أنفسهم إيران الآن؟
يُجيبون أن الولايات المتحدة تعتقد أنّها حقّقت نجاحاً باهراً بإنجاز الاتّفاق النووي بين إيران الإسلاميّة والمجموعة الدوليّة 5 + 1. لكنّهم يقولون إنّه من الصعوبة بمكان اعتبار الاتّفاق المذكور ممثلاً أي نجاح استراتيجي. ذلك أن إنهاء 35 سنة من العداء مع إيران لم يُربح واشنطن صديقاً في المنطقة. وعلى العكس من ذلك فإنّه خسّرها أصدقاء عديدين لها فيها. فإيران أقرب إلى موسكو منها إلى واشنطن رغم أن الإيرانيّين والروس يختلفون في رؤيتهم للأمور وفي تقويمهم لها. لكن المهم هنا هو أن الإيرانيّين يعرفون أن عندهم صديقاً في موسكو إذا مارست عليهم واشنطن ضغوطاً لأي سبب. ولهذا فإنّهم لن يهدُّوا أو بالأحرى لن يهدِّدوا الجسر القوي المُمتد بينهم وبين الروس. ذلك كلّه يوضح الصورة في الشرق الأوسط. فأميركا خسرته أو تقترب من خسارته في حين أن روسيا تصعد وتبرُز كوسيط وكصاحبة دور إقليمي فيه.
هل نظرة طهران إلى وضع تركيا حاليّاً مشابهة لنظرة الباحثين العرب الجدّيين إليه؟
يبدو أن لعدد من القريبين منها نظرة مختلفة رغم بعض التشابه أحياناً. فتركيا في رأيهم مُرتبكة. وهي بدأت نظريّاً سياسة انفتاحيّة تمثّلت في الاعتذار لروسيا والتراجع عن "معاداتها" الظرفيّة لها، وتقرّبت أكثر من إيران. لكن وضعها رغم ذلك يبقى صعباً. فرئيسها أردوغان ليس كل تركيا. كما أنّها لا تستطيع رغم وجوده على رأس السلطة فيها الخروج من "حلف شمال الأطلسي"، والتخلّي عن التحالف مع أميركا، والابتعاد عن أوروبا التي بُني عليها الاقتصاد التركي. هي مُحاطة اليوم بروسيا من جهتين، الشمال حيث الحدود بين الدولتين والجنوب أي سوريا حيث الوجود العسكري الروسي المُتجدّد. ولولا محاولة الانقلاب الفاشلة وشكوك أردوغان في دور ما لواشنطن فيها لما اعتذر لبوتين تمهيداً لعودة العلاقة بين البلدين إلى طبيعتها.
أما مع إيران فهناك فهم مُتبادل يؤكّد القريبون من طهران أنفسهم. جوهره رغم عدم الإعلان عنه رسميّاً هو أن تركيا مرجعيّة المسلمين السُنّة وإيران مرجعيّة المسلمين الشيعة في المنطقة والعالم الإسلامي. طبعاً حصلت لقاءات عدّة بين الدولتين في المدّة الأخيرة من خلال تبادل زيارات مسؤولين رفيعي المستوى قام بأبرزها وزير الخارجيّة الإيراني محمد جواد ظريف وكان برفقته قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني. بعد انتهاء الاجتماع خلال الزيارة الأخيرة وقف أردوغان قرب باب مكتبه مودّعاً أعضاء الوفد الإيراني وعندما وصل الدور إلى سليماني طلب منه الاجتماع برئيس المخابرات التركيّة الذي كان في مكتب مُجاور، ثم قال له: "اجتمع به ساعتين وابحثا في كل الأمور وما تتّفقان عليه أمشي به". في النهاية يخلص هؤلاء إلى القول أولاً أن الرئيس أوباما مُنزعج على الأرجح من أردوغان. وثانياً أن التحرّكات الانفتاحيّة التي قام بها روسيّاً وإيرانيّاً وحتى "أسديّاً" لا شيء يمنع رجوعه عنها. إذ يكفي أن يغيّر رئيس حكومته الجديد يلدريم مثلما فعل عندما دفع الرئيس السابق للحكومة أحمد داود أوغلو ولـ"حزب العدالة والتنمية" والوزير الأسبق للخارجيّة إلى الاستقالة كي يعرف شعبه والعالم أن هناك سياسة جديدة.