حافظت المراجع الشيعية الكبرى في مدينة النجف على خصوصيتها الدينية والسياسية، وفرضت نفسها كقوة إعتدال داخل الساحة العراقية، حيث أنها رفضت مجاراة صدام حسين في أوج قوته، ورفضت الرضوخ لولاية الفقيه رغم كل حملات الترغيب والترهيب.
يروي حيدر الخوئي، مدير مركز الدراسات الأكاديمية الشيعية في لندن وعضو الفريق البحثي حول مستقبل العراق في المجلس الأطلنطي، انه وقع خلال زيارة لمدينته النجف مؤخرا على كتاب عنوانه "مرشدي خامنئي" في المكتبة الشخصية لرجل دين يدرس في الحوزة العلمية في النجف، وكان قد اقتناه من متجر لبيع الكتب قرب مرقد الامام علي. 
يقول الخوئي "إن الجانب المثير في الكتاب ليس صدوره في النجف (عن شيء اسمه مؤسسة الاسلام النقي)، بل صدوره بتزكية قوية على الصفحة الأولى من المرجع الشيعي الأعلى آية الله العظمى علي السيستاني". وبحسب هذا المطبوع فان السيستاني يدعو الى "السير دائما وراء السيد خامنئي ودعم ولاية الفقيه.  فاليوم تتوقف سمعة الاسلام على سمعة الجمهورية الاسلامية وكرامتها، وكرامة الجمهورية الاسلامية تتوقف على حماية كرامة السيد خامنئي". 
يؤكد حيدر الخوئي "ان الاقتباس مفبرك. فالسيستاني، مثله مثل الغالبية العظمى من رجال الدين في مدينة النجف، معروف بمعارضته لولاية الفقيه، وهي النموذج الايراني للحكم الثيوقراطي الذين يفرض على المرجعية الدينية الشيعية ان تأخذ مقاليد السلطة السياسية بالاستناد الى التفسير الفقهي للاسلام الذي طبقه آية الله الخميني في ايران بعد الثورة الاسلامية عام 1979".

دولة مدنية:
ويتابع الخوئي: "السيستاني لم يرفض هذه العقيدة الجامدة فحسب، بل دعا بصراحة الى دولة مدنية في العراق وليس دولة دينية، وموقفه هذا موقف فقهي يستند الى تفسير تقليدي للمذهب الشيعي لا يمكن ان يتفق ابدًا مع اقامة حكم ثيوقراطي. ورغم الاختلافات الصارخة في الرأي بين طهران والنجف فان الكتاب المذكور أعلاه يمثل حملة واحدة فقط من عدة حملات دعائية مؤيدة لايران تُشن في النجف. والى جانب الوجود العسكري والسياسي الايراني السافر في العراق، فإن هذه الأشكال الفكرية الأشد مكراً والأقل فهماً للقوة الايرانية الناعمة هي التي تثير تساؤلات عن مستقبل العراق والمذهب الشيعي، لا سيما بعد وفاة السيستاني البالغ من العمر 86 عاماً".  
ويرى الباحث الخوئي ان المخاوف التي تتحدث عنها وسائل اعلام عربية وغربية من سيطرة ايران دينياً على العراق بعد رحيل السيستاني هي "مخاوف مبالغ بها الى حد بعيد" لأنها "تستهين بالمقاومة العميقة للحكم الثيوقراطي بين علماء الشيعة في النجف. كما ان المخاوف من حلول طهران محل هذا النهج التقليدي يبالغ بقوة حضور ايران ونفوذها في العراق. وان طلاب الحوزة العلمية في العراق لا يأخذون على محمل الجد المساعي التي تهدف الى تحقيق هذا الهدف الايراني، مثل الكتاب المذكور آنفاً، بل ان كثيرين يضحكون عليها لصلافتها".  
ويذهب الباحث الخوئي الى "ان أي رجل دين يرتبط بايران، بل بأي حكومة اخرى، بما فيها الحكومة العراقية، لن يكون قادرا على ارتقاء المراتب الدينية في العراق. وان الدعم الايراني قد يساعد قادة سياسين وميليشيويين في بغداد، ولكن أي دعم كهذا لرجال الدين الشيعة يكون ذا مردود عكسي في النجف".

دور السيستاني:
يستعرض حيدر الخوئي دور المرجعية الشيعية في النجف وعلى رأسها السيستاني بعد الاحتلال الاميركي عام 2003 قائلا ان السيستاني يعتبر نفسه "فوق السياسة" وقام "بدور توحيدي في العراق منذ عام 2003، وهو يعتقد ان رجال الدين يجب ألا يكون لهم دور في مؤسسات السلطة التنفيذية أو الادارية، ولكنه أقدم هو نفسه على عدد من المداخلات القوية في اوقات التأزم". وينقل الخوئي عن الخبير الدستوري الاميركي لاري دايموند، الذي كان مستشار سلطة الائتلاف المؤقتة في بغداد، قوله ان السيستاني "اتخذ مرات متكررة مواقف أكثر تأييدًا للديمقراطية من الولايات المتحدة نفسها". 
"وفي عام 2014 وجه السيستاني دعوة الى المواطنين العراقيين لحمل السلاح والتصدي لتنظيم داعش بعد احتلاله الموصل وتكريت، ثم مهد الطريق لتسلم العبادي رئاسة الحكومة من المالكي بتوجيه رسالة الى حزب الدعوة الاسلامية الحاكم يجعل من الواضح فيها ان العراق بحاجة الى رئيس وزراء جديد لينهي عملياً آمال المالكي وطهران بولاية ثالثة"، حسب ما كتب الخوئي في مقاله على موقع "وور اون ذي روكس".
ويواصل حيدر الخوئي عرض مواقف السيستاني، بما في ذلك دعواته الى القادة السياسيين العراقيين خلال التظاهرات الاحتجاجية الشعبية ضد الفساد لاجراء الاصلاحات المطلوبة. وبحسب الخوئي فإن دعوات السيستاني الى الاصلاح "لاقت مقاومة شديدة من نخبة معشعشة فاسدة نجحت في الحيلولة دون اجراء أي اصلاح ذي معنى من اجل الحفاظ على امتيازاتها".

لا يقين:
يتوقع الباحث حيدر الخوئي ان تشهد النجف والعالم الشيعي الأوسع "فترة من اللايقين بعد وفاة السيستاني". ولكنه يضيف: "ان هذا لن يصبح فراغاً يمكن ان تملأه أو تستغله قوة خارجية. وقد يستغرق الانتقال من السيستاني الى قيادة آية الله العظمى التالي اسابيع أو اشهر أو سنوات. وبخلاف الكنيسة الكاثوليكية حيث يجتمع الكرادلة في الفاتيكان للادلاء بأصواتهم في اقتراع سري الى ان ينتخبوا  البابا الجديد فان العملية التي تحدث في النجف أكثر غموضاً وابهاماً وتتضمن ممارسة ضغوط من القمة الى القاعدة ومن القاعدة الى القمة"، على حد وصف الخوئي. 
وفي تقدير الخوئي فان "شبكة السيستاني العالمية من المؤسسات والوكلاء ستقوم بدور أساسي في تحديد شكل الانتقال. وسيميل هؤلاء الى رجل دين واحد أو رجال دين محددين بعد وفاة راعيهم. ورغم ما تتسم به عملية الخلافة من تعقيد، فإن من الأسهل بكثير ان نتوقع من سيكون آية الله العظمى المقبل بالمقارنة مع التكهن بالبابا الجديد، لأنه لا يوجد اليوم إلا حفنة من رجال الدين بمرتبة عالية كافية لأخذ مكان السيستاني. وستقوم عملية اختيار خلف يتولى القيادة على اساس التوافق على العلم والتقوى. وبما ان نيل لقب آية الله العظمى يتطلب عقودًا من الدراسة والتدريس، فرجال الدين يكتسبون بمرور الوقت فهماً لمستوى علماء الدين الأفراد، مثلما يقيّم الطلاب اساتذتهم في الكليات بعد التعلم على ايديهم".  
ويستعبد الخوئي ان يخلف السيستاني "أي أحد من خارج النجف في المستقبل المنظور"، مشيرا الى ان النجف هي الآن "مقر ثلاثة آيات عظمى آخرين الى جانب السيستاني هم محمد سعيد الحكيم ومحمد اسحاق الفياض وبشير حسين النجفي. وقد تكون لديهم رؤى ومواقف سياسية مختلفة في قضايا الشريعة الاسلامية. والمؤكد ان لدى كل منهم اسلوبه الخاص وشخصيته الفريدة. ولكن ما له أهمية حاسمة ان لا أحد منهم يؤمن بامكانية تطبيق ولاية الفقيه". 

كيف ستتنتقل مرجعية السيستاني لخليفته:
وبحسب الخوئي فان "عملية الانتقال ستتأثر بديناميكيات على مستوى القواعد حين تبدأ عشائر في جنوب العراق ومواطنون شيعة اعتياديون وعائلات في عموم المنطقة والعالم، اعلان ولاءهم العضوي لأحد آيات الله العظمى الموجودين بعد السيستاني. وفي النهاية سيجمع أحد الآيات العظمى، ضمن اطار زمني لا يمكن ان يتنبأ أحد بمداه، كتلة حرجة من الأتباع واعتراف الأقران به ليبرز على انه "الأول بين أنداد" لتولي القيادة".  
ويشدد الباحث الخوئي على ضرورة ان يكون ماثلا في الأذهان ان "الانتقال من آية الله العظمى عبد القاسم الخوئي الى السيستاني الذي بدأ عام 1992 استغرق ست سنوات قبل ان يُحسم بصورة نهائية ، ولكن هذا حدث خلال فترة صعبة بصفة خاصة على المرجعية الشيعية. وكان الانتقال الأبكر في عام 1970 من آية الله العظمى محسن الحكيم الى الخوئي استغرق نحو عام".  
"ويتوقع البعض ان تستغرق عملية الانتقال بعد السيستاني ما بين عامين الى اربعة اعوام، ولكن رداءة الوضع السياسي والأمني في العراق مقترنة بالحرية غير المسبوقة التي تتمتع بها النجف الآن وكذلك طرق الاتصالات الحديثة، يمكن ان تسرّع العملية. ومن الجائز ان يدفع انعدام الاستقرار في مناطق البلد الأخرى رجال الدين في النجف الى تسريع عملية الخلافة للحد من مستوى اللايقين الذي من المحتم ان يبقى في العراق حتى بعد هزيمة ما يُسمى تنظيم الدولة الاسلامية"، كما يكتب الباحث حيدر الخوئي.

قوة إعتدال:
يؤكد الخوئي "ان السيستاني ليس فريدا من نوعه بالمعنى الديني بل هو نتاج مؤسسة عمرها 1000 سنة انجبت الكثير من امثاله. وستنجب السيستاني المقبل ايضا والعديد من بعده" واصفاً هذه المؤسسة في النجف بأنها "شبكة غامضة وفضفاضة من المدارس ورجال الدين والموظفين، بحيث انها تربك حتى الذين في داخلها، ولكنها منظومة تفتخر باستقلالها المالي والسياسي عن أي مركز من مراكز القوة. وهي مبنية على القيم والأعراف التقليدية للمذهب الشيعي، التي لن تغيرها ايران ولا تستطيع ان تغيرها رغم كل ما لديها من قوة اقتصادية وعسكرية وسياسية. ولا يعني هذا ان الايرانيين سيكفون عن محاولة التأثير على النقاش داخل العالم الشيعي من أجل مصالحهم القومية الخاصة، ولكن من المحتم ان تبوء محاولتهم بالفشل. وكما كشف البحث في ارشيف حزب البعث، فان صدام حسين نفسه في ذروة قوته لم يتمكن من اجبار النجف، وهي في واحدة من اضعف اللحظات في تاريخها، على اتخاذ موقف موالٍ للحكم خلال الحرب العراقية ـ الايرانية".  
ويختتم الباحث حيدر الخوئي مقاله كاتباً "ان نفوذ السيستاني اليوم عبء سيحمله خلفه. وسوف نشهد استمرارية لا تغييرا في النجف بوصفها قوة اعتدال في السياسة العراقية".

 

المصدر : كتابات