تتسارع التطورات في الشمال السوري، بما أثر بشكل كبير على توازن القوى المحلية في المنطقة، تحديداً بعد عملية "درع الفرات" التي شنّتها القوات المسلحة التركية، لدعم فصائل المعارضة السورية المعتدلة، وما تلاها من اتفاق أميركي روسي غير واضح المعالم، حظي بدعم إقليمي كامل، كانت تركيا أحد أكبر المتحمسين له، ليبدو التكهن في التغيرات المستقبلية أمراً صعباً للغاية وسط غياب الأجوبة عن العديد من الأسئلة المحورية حول مستقبل الاتفاق، في ظلّ المحادثات المستمرة بين أنقرة وواشنطن للاتفاق على الوجهة المقبلة لقوات المعارضة في "درع الفرات" وكيفية دعمها. 
في هذا السياق، حققت تركيا جميع أهدافها ومصالح أمنها القومي تقريباً من عملية "درع الفرات"، ويأتي على رأسها وضع حد لصعود حزب الاتحاد الديمقراطي، الجناح السوري للعمال الكردستاني، وحصاره سياسياً، وقطع الطريق على إقامة ممر للكردستاني على حدودها الجنوبية. كما تمكنت تركيا من تقديم بديل عملي لقوات الاتحاد الديمقراطي، متمثل بقوات المعارضة المعتدلة العربية والتركمانية، لمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش).
 
أما الأهم من هذا كله، فقد رافقت العملية في سورية، عمليات عسكرية ضد الكردستاني في أرياف شرق تركيا، وعملية سياسية ضد جناحه السياسي أي حزب الشعوب الديمقراطي، تمثلت في عزل رؤساء البلديات الخاضعة لنفوذه وتعيين موالين لأنقرة فيها، وسط صمتٍ أوروبي وتعليق أميركي خجول.
 
كان لكل هذا دورٌ أساسيٌ في قلب موازين القوى على صعيد الصراع بين الكردستاني والدولة التركية، بدأت أولى مظاهره، يوم الإثنين، بعد الرسالة التي وجهها زعيم الكردستاني عبد الله أوجلان من سجنه في جزيرة إمرالي، عبر شقيقه محمد أوجلان، داعياً إلى العودة إلى عملية السلام، مشدداً على أن الحل رغم صعوبته ممكن خلال ستة أشهر. وجاءت الرسالة في وقتٍ لا تبدو فيها الدولة التركية معنية بالأمر، في ظلّ أوراق القوة التي باتت تمتلكها سواء للتعامل معه في سورية وتركيا، أو لمواجهة الضغوط الأوروبية والأميركية المعهودة في هذا الشأن، وكذلك في ظل غياب أي داعم قوي محتمل للحزب في مواجهة تركيا.
 
في هذا الصدد، تحاول تركيا تقديم مدينة جرابلس نموذجاً لما يمكن أن تكون عليه المدن المحررة بيد "الجيش السوري الحر"، من خلال العمل على استخدام قدراتها لتقديم الخدمات فيها للأهالي. وتم وصلها بشبكة الكهرباء والمياه التركية، لكن ذلك يصطدم حتى الآن بغياب أي مشروع تركي واضح المعالم لإدارة المنطقة المحررة حديثاً من "داعش"، إذ لا زال الائتلاف الوطني وجميع مؤسسات المعارضة السياسية غائبين تقريباً عن المشهد.
 
في غضون ذلك، لا تعتبر أنقرة أمر دعم ما تسميه واشنطن "المعارضة السورية المعتدلة" للتحول إلى قوة حقيقية قادرة على مواجهة النظام السوري ووضع حد للنفوذ الإيراني في سورية، أمراً يخصها وحدها، بقدر ما هو مشروع مشترك يحتاج إلى دعم باقي القوى الإقليمية المنزعجة من النفوذ الإيراني، كالسعودية، لتوحي تصريحات كل من وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو ووزير الخارجية السعودي عادل الجبير، خلال زيارة الأخير إلى أنقرة، قبل أيام، بأن الطرفين بصدد العمل على إعادة إحياء المشروع القديم الجديد، بالتدخل في سورية لضرب "داعش" في حوض الفرات وقطع الممر الإيراني الممتد من طهران إلى بغداد ودمشق انتهاء بالمتوسط.
 
في هذا الإطار، أكد جاووش أوغلو، في 8 سبتمبر الحالي، خلال المؤتمر الصحافي المشترك، بأنه بحث مع الجبير العلاقات الثنائية، وارتقاء العلاقات إلى مستوى أعلى، معلناً إنشاء الجانبين "مجلساً تنسيقياً مشتركاً" يشمل مجالات مختلفة بينها الاقتصاد والدفاع، فضلاً عن تأسيس ثماني لجان من أجل تعزيز العلاقات الثنائية، وعن عزمهما عقد أول اجتماع حول ذلك في تركيا، خلال الأشهر المقبلة.
 
من جانبه، أكد الجبير أن هناك تطابقاً في رؤية البلدين، إزاء العديد من القضايا سواء في سورية أو العراق أو اليمن أو مواجهة "الإرهاب"، مشيراً إلى أنه بحث مع نظيره التركي أوضاع سورية والعراق واليمن وكيفية مواجهة الإرهاب.
 
على الرغم من ذلك، يبقى أمر توسيع درع الفرات، هو الآخر، بحاجة للتوصل إلى اتفاقات دولية سواء مع واشنطن أو موسكو التي تحسنت علاقاتها بشكل ملحوظ مع أنقرة والرياض، الأمر الذي بدا واضحاً خلال الاجتماعات والاتفاقيات التي عقدت على هامش قمة الدول العشرين في الصين، مطلع الشهر الحالي.
 
وفي وقتٍ تبدو المعارضة المسلحة السورية محاصرة سياسياً، بعد الاتفاق الروسي الأميركي، في حلب وريفها الغربي وإدلب وريف حماة، تبدو المعارضة ذاتها، غير واضحة القيادة، في ريف حلب الشرقي، على المستوى العسكري، ومن دون غطاء سياسي، وسط غياب جميع مؤسسات المعارضة السورية السياسية عن المشهد.
 
كما تبدو الثقة معدومة بإمكانية نجاح الاتفاق الروسي الأميركي والحفاظ على هدنة الأسبوع، فضلاً عن عدم وضوح الآلية التي سيتم من خلالها ضرب جبهة فتح الشام (النصرة سابقاً)، وما إذا كانت ستترافق الضربات الجوية بعمليات برية، سواء من قبل قوات النظام أو قوات الاتحاد الديمقراطي أم لا، وما إذا كان سيتم توجيه ضربات لفصائل أخرى مع فتح الشام، كجند الأقصى، التي يدور حول ارتباطها بـ"داعش" الكثير من إشارات الاستفهام، أم لا.
 
مع ذلك، يبقى واضحاً أن الاتفاق الروسي الأميركي، وضع قوات المعارضة في حلب وإدلب وحماة، أمام خيارين أحلاهما مر: إما التعاون وتنفيذ الاتفاق وضرب "فتح الشام" مقابل وقف المعارك على خطوط التماس مع النظام والاتحاد الديمقراطي، بما يعنيه ذلك من إمكانية تمزق جميع تشكيلات المعارضة ويأتي على رأسها حركة أحرار الشام، أو رفض الاتفاق، والاصطفاف إلى جانب "فتح الشام"، الأمر الذي سيكون عملية انتحارٍ قد تؤدي إلى إنهاك المعارضة وصولاً للقضاء عليها.
 
على المقلب الآخر، في ريف حلب الشرقي، تبدو قوات المعارضة مشرذمة، من دون وجود قيادة عسكرية موحدة حقيقية، قادرة على تكون جيش سوري حر يقف على قدم المساواة مع النظام، وفي ظل غياب معظم الضباط المنشقين عن النظام، لا يبدو بأن لهذه الفصائل عقيدة عسكرية واضحة أو مشروع سياسي واضح، حتى الآن، مما يجعل اعتمادَ أنقرة عليهم للجلوس على قدم المساواة مع النظام في أي مفاوضات مقبلة، عرضةً للكثير من المخاطر.
 
كما بات راسخاً بأن لا مجالَ لنجاح الاتفاق الأميركي الروسي، من دون الدعم التركي له، وذلك بينما تجري أنقرة مفاوضات مع الأميركيين، للحصول على دعم واشنطن بغية التوجه إلى مدينة الباب، وكذلك لانسحاب قوات الاتحاد الديمقراطي من منبج، وللتحضير لعملية الرقة. الأمر الذي تضعه أنقرة على قائمة أهدافها، بينما تبدو واشنطن متمسكة بقوات الاتحاد الديمقراطي، وتحاول أن تجعل لها دوراً في معركة الرقة بالتعاون مع القوات المدعومة من تركيا، الأمر الذي ترفضه الأخيرة.