سوريا التاريخ هي من يدفع الثمن، وسوريا الجغرافيا مهددة برسم خريطتها من جديد، والشعب السوري يستنزف بدماء أبنائه وأرواحهم وارزقهم. 
فسوريا اليوم محط أنظار دول العالم، واللقمة السائغة لكل طامع لكنها عسيرة الهضم، والكل يرسم لسوريا مستقبلا يتناسب ومقاس حساباته وطموحاته وأهدافه الإستراتيجية. 
الدول القريبة والبعيدة المعنية بالأزمة السورية البست جيوشها لامات الحرب وارسلتها بكافة تجهيزاتها واسلحتها إلى الميدان السوري، ورابطت في مواقع محددة وضمن خطوط مرسومة وانخرطت في حروب مدمرة ودامية ضمن لعبة ممنوع تجاوزها هي لعبة توازن القوى. 
وتنظيم الدولة الإسلامية داعش جاهز لأعطاء تأشيرات السفر إلى سوريا من خلال تقنياته الإرهابية ووسائله الإجرامية لكل من تدغدغه الأطماع لإقتطاع مساحات من الأراضي السورية المستباحة. 
والاكراد هم العصا التي يتم استخدامها للتأديب، وهم الأداة التي يتم تحريكها لخوض الحروب تحت تأثير مغريات لا تصل إلى مستوى تحقيق هدفهم بإقامة كيان لحكم ذاتي وهو حلم لم يتحقق منذ ما يقارب المائة عام أي منذ اتفاقية سايكس بيكو التي رسمت حدود المنطقة دون أن تترك دولة للأكراد والتي تمت على أنقاض الحرب العالمية الأولى. 
كل الدول التي شاركت في الحروب السورية مباشرة او بالواسطة فإنها تختبىء خلف عنوان محاربة الإرهاب وتعلن الحرب على داعش، إلا أن لكل منها أهداف واطماع غير معلنة. 
فروسيا حضرت بمنظومتها العسكرية وطيرانها القاذف والمقاتل لمحاربة جبهة النصرة والفصائل الشيشانية والاوزبكية، وتركيا دفعت بمدرعاتها ودباباتها لمحاربة الأكراد والحؤول دون تفكيرهم بإقامة دولة كردية، وإيران شاركت في الحروب السورية من خلال حرسها الثوري والتنظيمات والميليشيات التابعة لها من لبنان والعراق والشيشان لوضع اليد على مساحة من الأراضي السورية تشكل جسر عبور يربط بينها وبين حزب الله في لبنان وصولا إلى البحر المتوسط. 
الولايات المتحدة الأميركية هي الحاضر الدائم في الميدان السوري لكنه حضور غير مرئي، وهو حضور سلبي ما يشير إلى أنها لا تريد لهذه الحرب ان تنتهي قريبا. بل ربما قد ترى مصلحة باستمرارها إلى ما لا نهاية ما دام الجميع يستنزف بشريا وعسكريا دون تمكن اي طرف من الأطراف المشاركة في هذه الحروب من فرض أي حل دون الرجوع إلى البيت الأبيض. 
أما إسرائيل فهي الرابح الأكبر وهي تحرض على إستمرار هذه المأساة العربية المهزلة التي تدور حولها دون أن تتكلف اي أعباء. 
وأما الحديث عن حل قريب للأزمة السورية، فليس له ترجمة حقيقية على أرض الواقع، وهو فقط الطريق الأسهل لهروب المجتمع الدولي من تحمل مسؤولية الملحمة السورية، ومحاولات يائسة لغسل اليد من الدم السوري، خصوصًا وإن الحرب صارت حروبا والمعارك تستنسخ معارك متجددة على كل الجبهات مع الحفاظ على لعبة توازن القوى، ومنع أي فريق من تحقيق إنتصار على فريق آخر، ويترافق ذلك مع استعداد كل طرف وتحضيره لحرب استنزاف طويلة بعد ان رسم حدود مناطقه وحدود تدخله وبعد افتقاد القوى المحلية قدرتها على التأثير في أي أجندة وطنية. 
فالرئيس الأميركي باراك أوباما الذي تحدث عن حل للأزمة السورية بمصطلح جديد إسمه /حل العنف / فهو واقعيا ليس حلا سياسيا ولا مصالحة بين القوى السورية بل أسلوب علاج لتضميد أزمة تنزف بخطورة، وهو عمليا وكما عبر عنه أنه يهدف لمحاصرة العنف ليس إلا. 
فالحرب في سوريا لا تزال كبيرة ومنتشرة على معظم الأراضي السورية، ولا يبدو في الأفق سلام ولا هزيمة، وتباشير الحل الذي نسمعه هو فقط لأن واشنطن تريد إنهاء العنف دون حل المشكلة مثل النعامة التي تدفن رأسها في الرمل، إذ أن الرئيس الأميركي الذي سيغادر البيت الأبيض خلال أقل من ثلاثة أشهر يرغب في إنهاء الحرب كيفما أتفق، أما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فهو باق وكذلك آية الله الخامنئي فهو أبدي في حكم إيران وكلاهما الروسي والإيراني يريدان حلا واحدا وهو إخضاع الشعب السوري لما يخدم مصالحهما الإستراتيجية.