لن يغوص كثيراً "الموقف هذا النهار" في دور المسيحيّين اللبنانيّين ومسؤوليّتهم في المرحلة الواقعة بين استقلال بلادهم عام 1943 واندلاع الحروب فيها عام 1975، إذ أن الكثير منهما معروف، ولذلك فإنّه سيكتفي بالإشارة الوافية إلى محطّات تُساعِد في فهم تطوّرات المراحل التالية التي أوصلت لبنان إلى حاله التعيسة اليوم.
أولاً، لا بدّ من تكرار أن فرنسا هي التي أسّست الكيان اللبناني في حدوده الحاليّة (لبنان الكبير) عام 1920. ولا بدّ من تأكيد دورها في "إعطاء" الحكم لمسيحيّيه ليس فقط بسبب محبّتها لهم أو ولائهم لها حرصاً على استمرار حمايتها لهم، بل أيضاً استناداً إلى إحصاء سكاني أُجري عام 1932، وأظهر أن المسيحيّين يشكّلون غالبيّة أبنائه بنسبة تراوح بين 0٫5 و1٫5 في المئة. وقد سُمّي بـ"الإحصاء اليتيم" لأن المسيحيّين رفضوا تكراره إدراكاً منهم للنمو الديموغرافي المهمّ للمسلمين، وخوفاً من أن تدفعهم نتائجه إلى المطالبة بالمشاركة المتساوية في الحكم أو به كلّه. علماً أن المطالبة بتكراره عند المسلمين كانت دائمة. ولم يَحُلْ ذلك دون حصولهم بعد عقود طويلة من الحروب العسكريّة والسياسيّة على مُرادهم أو على قسم مهم منه من دون أي إحصاء عام.
ثانياً، لا بدّ من الإشارة إلى أن فرنسا، رغم كونها دولة مستعمرة و"معادية" للعرب والمسلمين ومؤيّدة لإسرائيل و"مُحابية" للمسيحيّين، لم يكن مخطّطها جعل لبنان دولة مسيحيّة. كما لم تكن نيّات النواب والحقوقيّين اللبنانيّين الذي وضعوا دستوره وأقرّوه عام 1926 جعلها كذلك. وقد عبّرت المادة 95 منه عن اشتراك الجهتين في هذا الموقف، إذ نصّت على توزيع المناصب على الطوائف في صورة موقّتة "التماساً للعدل والوفاق...". وظنّ الفريقان أن الّذين سيتولّون حكم لبنان بعد الاستقلال من المسيحيّين أصحاب الأرجحيّة فيه سيعملون لبناء دولة جدّية وحديثة، ولتعميق الإنتماء المسيحي – المسلم إليها، ولتخلّي الجميع عن الحمايات الخارجيّة من عربيّة (مسلمة) وأجنبيّة (فرنسيّة – غربيّة – مسيحيّة). وظنّا أيضاً أن الخطوة اللاحقة ستكون إلغاء الموقّت أي المادة 95 سواء كليّاً بإقامة دولة مدنية لا طائفيّة، أو جزئيّاً يجعل مشاركة المسلمين في الحكم وفي المؤسّسات مساوية لمشاركة المسيحيّين. لكن الموقّت صار دائماً. وما تحقّق من تعديلات تصبّ في تعزيز المشاركة المسلمة منذ الاستقلال حتى حروب 1975 فرضته تطوّرات الأمر الواقع وجعلته عُرفاً مثل ضرورة توقيع رئيس الحكومة المسلم القوانين والمراسيم إلى جانب توقيع رئيس الجمهوريّة المسيحي، ومثل عجز الأخير عن الانفراد بقرارات مهمّة مثل استعمال الجيش والقوى العسكريّة لمواجهة أي عنف واسع النطاق في البلاد جرّاء رفض المسلمين ذلك. لكن أموراً أساسيّة أخرى ظلّت على حالها مثل عدد أعضاء مجلس النواب الذي كان لمصلحة المسيحيّين وفقاً لنسبة 6/5. والمُفجع أن مجلس الوزراء عشيّة انفجار الحرب في 13 نيسان 1975، وكانت الحكومة برئاسة الراحل رشيد الصلح كان منشغلاً بخلاف مسيحي - مسلم حول العطلة الأسبوعيّة، وهل تبقى يوم الأحد أو تصبح يوم الجمعة أو يصبح للبنانيّين عطلتا أسبوع واحدة للمسلمين وأخرى للمسيحيّين.
ثالثاً، لا بدّ من الإشارة إلى أن ثورة 1958 كان مبرّرها الرسمي إصرار الرئيس كميل شمعون على التجديد ورفض المسلمين ذلك. وهو صحيح. لكن كان لها مبرّر آخر هو الحماسة لإنتمائهم العربي والوحدة العربيّة التي أوقدها الراحل عبد الناصر في نفوس المسلمين وقلوبهم وخصوصاً بعد وحدة مصر وسوريا برئاسته. وهذه الحماسة كان أحد أبرز أسبابها عدم حماسة المسيحيّين لمشاركة مُتساوية في السلطة والحكم والمؤسّسات مع المسلمين، فضلاً عن سبب آخر يتعلّق بخوف المسيحيّين من العروبة وقد تمّت الإشارة إليه في بداية السلسلة.
ورابعاً، لا بدّ من الإشارة إلى أن الرئيس (الراحل) فؤاد شهاب الذي اختاره الغرب والشرق أي مصر عبد الناصر وأميركا لرئاسة لبنان وترتيب أوضاعه قام بالكثير على صعيد مؤسّسات الدولة. لكنّه لم يقُم بالأكثر أهميّة وهو تعديل الصيغة اللبنانيّة من أجل تثبيت جوهرها وهو العيش المشترك المسيحي – المسلم، وذلك بمساواة تامّة بين اللبنانيّين، علماً أن عبد الناصر جيّر له مُسلمي لبنان الذين كانوا له، وأن أميركا كانت قادرة على إقناع المسيحيّين بالتجاوب، وأن الجيش اللبناني كان قادراً على الحماية، لأن سوسة الانقسام لم تكن استيقظت فيه.
ماذا عن مسيحيّي لبنان خلال الحروب وبعدها؟ وماذا عن مسؤوليّتهم في تطوّر الأوضاع وخصوصاً في المرحلة الراهنة؟