كشف نائب بالبرلمان العراقي عن اتصالات تجري بين أطراف سياسية من أجل إيجاد صيغة لإقفال ملف استجواب وزير المالية هوشيار زيباري الذي يبدو أن عملية الإطاحة به عن طريق البرلمان على غرار ما حدث لزميله وزير الدفاع المقال خالد العبيدي ستكون عسيرة وشاقّة، ولن تمرّ دون خسائر جسيمة لـ”رؤوس كبيرة”، تقف خلف موجة الاستجوابات سعيا لتفكيك حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي وصولا إلى الإطاحة بالعبادي ذاته.

وقالت مصادر عراقية إن زيباري القيادي بالحزب الديمقراطي الكردستاني، والمدعوم من الكتلة النيابية الكردية في مجلس النواب العراقي، والمستند إلى علاقات متينة مع شخصيات مؤثرة داخل العراق وخارجه، لن يتأخر في حال التمادي بمحاولة إسقاطه في الارتداد على اللاّعبين الرئيسيين في لعبة الاستجوابات، وفي مقدّمتهم جميعا رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي مازال يأمل في إسقاط خلفه العبادي والحلول محلّه.

وأكّدت ذات المصادر أنّ وجود زيباري على رأس وزارة المالية، ووجوده سابقا على رأس الخارجية أتاحا له الاطلاع على تفاصيل عن فساد الكثير من المسؤولين بمن فيهم المالكي وإهداره للمال العام طيلة وجوده على رأس الحكومة لفترتين متتاليتين بين سنتي 2006 و2014، بما في ذلك التلاعب بصفقات دولية لشراء الأسلحة وغيرها، فضلا عن اطلاعه عما تمتلكه حكومة إقليم كردستان العراق من تفاصيل مدعومة بالحجج والوثائق بشأن دور المالكي في سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم داعش صيف 2014.

وشرحت أن زيباري على عكس وزير الدفاع خالد العبيدي يمتلك وثائق صحيحة، ويمكنه إثبات فساد خصومه. وتشدّد ذات المصادر في مقارنتها بين زيباري والعبيدي على أنّ وضعهما يختلف جذريا، فالأوّل رافق نشوء نظام المحاصصة القائم في العراق منذ بدايته وهو من صناع ذلك النظام وجزء من بنيته، أما الثاني فعضو طارئ وعنصر ثانوي في حكومة هي الأضعف منذ الاحتلال الأميركي للعراق.

لذلك فإن زيباري لا يحتاج إلى أن يستند إلى حكومة بغداد مثلما فعل العبيدي، بل يمتلك الكثير من الأوراق الضاغطة على مجلس النواب.

وتؤكّد مصادر عراقية أن الرجل جعل له أنصارا أقوياء في نسيج الدولة العراقية منذ كان وزيرا للخارجية من خلال توزيعه الرشى على زعماء الكتل والأحزاب السياسية بما في ذلك تعيين أقربائهم سفراء وموظفين كبارا في السفارات. وحين انتقل إلى وزارة المالية مدعوما بمباركة أولئك الزعماء فإنه استمر في نهجه بتمرير الكثير من الصفقات الفاسدة التي استفادت منها الكتل البرلمانية. لذلك فإن محاولة استجوابه التي انتهت بسخريته من مستجوبيه لا يمكن أن تؤدي إلى النهاية نفسها التي انتهى إليها العبيدي. فالرجل أقوى مما يظنه الكثيرون في العراق. وجزء من قوّته مستمدّ من علاقاته المتشعبة وارتباطه بمافيات الفساد التي قد لا تكون محلية فقط.

وبدأ الوزير زيباري هجومه على خصومه مهدّدا بالكشف عن فضيحة تهريب مبلغ يفوق الستة مليارات دولار إلى الخارج لمصلحة شخصية أحجم عن الإفصاح عنها ما أثار ضجة كبرى في العراق.

وقال زيباري إنّ لديه وثائق تثبت قيام شخص بإخراج ستة مليارات و455 مليون دولار من العراق إلى حسابه في أحد البنوك بالخارج.

وجاء تصريح الوزير يوما واحدا بعد تصويت البرلمان على عدم قناعته بأجوبته التي أدلى بها خلال جلسة استجواب تقدم بها أحد أعضاء اللجنة المالية في البرلمان وانتهت بمشادة وعراك بالأيدي بين نواب من كتلة الوزير وآخرين مناصرين للمستجوب.

طارق صديق: تم التوصل إلى تفاهمات لحلحلة موضوع الاستجواب بشكل آخر وأشار زيباري إلى أن الهدف الرئيسي من الاستجواب هو إسقاط الحكومة، متهما رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي بالوقوف وراء العملية، مضيفا “سأدافع عن نفسي وأذهب إلى سحب الثقة وكل المراحل أكون فيها في القضاء وفي هيئة النزاهة”.

وأضاف أن “الهدف من الاستجواب ليس أنا، وإنما رئيس البرلمان سليم الجبوري ورئيس الوزراء حيدر العبادي”، مشيرا إلى أن “النواب يبدأون باستجواب الوزراء لتجربة تخطيطهم وتكتيكهم لإسقاط الحكومة”.

وبدوره، طالب الادعاء العام في بيان له، الخميس، وزير المالية بكشف اسم الشخص الذي حول ستة مليارات ونصف المليار دولار إلى الخارج.

وقال المتحدث باسم السلطة القضائية القاضي عبدالستار بيرقدار، إن “الادعاء العام طلب رسميا من وزير المالية إيضاح أقواله بخصوص اسم الشخص الذي ذكره في أحدى وسائل الإعلام المحلية”، لافتا إلى أن “الطلب يأتي لغرض اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة”. ومن المحتمل أن يضطر خصوم زيباري إلى البحث عن حلّ بالتراضي لقضية استجوابه مخافة افتضاح أمرهم.

لكنّ ذلك لن يخلو بحدّ ذاته من فضيحة تتعلق بمعالجة قضيتي وزير الدفاع ووزير المالية بمكيالين مختلفين.

وفي سياق البحث عن مخرج، كشف النائب عن الحزب الديمقراطي الكردستاني طارق صديق، الخميس، عن وجود تفاهمات مع كتل سياسية لم يسمها، لحل مسألة موضوع استجواب وزير المالية.

ونقل موقع السومرية الإخباري عن صديق قوله “إننا ككتلة الحزب الديمقراطي زرنا البعض من الأحزاب والكتل السياسية بالعملية السياسية وتباحثنا حول موضوع استجواب وزير المالية”، مشيرا إلى أنه “تم التوصل إلى تفاهمات مع تلك الكتل لحل مسألة الاستجواب وربما حلحلة الموضوع بشكل آخر”. وأضاف “ستكون لدينا زيارات أيضا لائتلاف دولة القانون وجبهة الإصلاح للتفاهم بموضوع الاستجواب الخاص بوزير المالية وطريقة الاستجوابات المستقبلية ايضا”.

واستجوب مجلس النواب العراقي في 25 أغسطس الماضي وزير المالية هوشيار زيباري، بناء على طلب من النائب هيثم الجبوري، وصوت المجلس يومين بعد ذلك بالأغلبية على عدم قناعته بأجوبة الوزير. وتمّ تحديد الثلاثاء المقبل موعدا لجلسة إقالة زيباري من وزارة المالية.

ووجّهت اتهامات للوزير بأن مصروفاته تعادل 12 بالمئة مما يصرفه مجلس النواب سنويا، لكنّ الوزارة أعلنت الخميس أنّ لديها وثائق تثبت أن المصاريف السنوية لوزير المالية لا تتعدى نسبة 0.15 بالمئة مما يصرفه البرلمان.

صحيفة العرب