يخط حزب الكتائب اللبنانية طريقه بعيدا عن النخبة السياسية القائمة التي تعيش شبه قطيعة مع المواطن اللبناني الذي مل معاركها “الدونكيشوتية”، البعيدة كل البعد عن انشغالاته وهمومه اليومية.

وبات الحزب ورئيسه الشاب سامي الجميل من جراء “تمرده” محل استهداف العديد من الأطراف، ويظهر ذلك بشكل واضح مع عودة أزمة النفايات لتملأ شوارع لبنان، وموقفه المتصلب حيال رفضه السماح باستمرار تجميع النفايات في مكب برج حمود شمالي العاصمة بيروت.

ويصر الحزب الماروني الذي دخل مع أهالي المنطقة في اعتصام مفتوح أمام المكب منذ أكثر من أسبوع، على أنه لا بد من إيجاد حل نهائي للأزمة وأن لا يكون ذلك على حساب مناطق بعينها. وقد أدى ذلك إلى انتشار النفايات في منطقتي المتن وكسروان من محافظة جبل لبنان، وبعض مناطق العاصمة، الأمر الذي شكل إحراجا كبيرا للحكومة.

ومنذ ستة أشهر، تُنقل نفايات تلك المناطق إلى مكب برج حمود، حيث يتم تكديسها وتخزينها، ما يسبب انبعاث روائح كريهة في المنطقة وانتشار الحشرات والقوارض، بسبب ما اعتبر تهاون الحكومة في معالجة النفايات المفرزة وفق شروط صحية. وسبق وحذر رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل، في مؤتمر صحافي، من “وجود صفقة كبيرة لتحويل ساحل المتن إلى مزبلة جبل لبنان وبيروت”.

وأعلن الجميل، منتصف يونيو الماضي، استقالة وزيري الاقتصاد والعمل التابعين لحزبه، من الحكومة اللبنانية “رفضا للدخول بصفقات مشبوهة في الحكومة”. وقال رئيس إقليم المتن في حزب الكتائب اللبنانية، ميشال الهراوي، الخميس، إن أهالي منطقة برج حمود “يرفضون إقامة مطمر موت هنا”، مشددا على الرفض المطلق “لفكرة رمي النفايات بشكل عشوائي في البحر”.

ولفت إلى أن “النفايات يتم ردمها بالتراب في مطمر برج حمود، فكيف سيتم فرزها في المستقبل؟”، معتبرا أن “هذا الأمر يدل على عدم الصدق في ما يخص معالجة هذا الملف”. موقف الكتائب يلقى استحسانا من قبل المواطنين إلا أنه يقابل بهجمات من طرف بعض القوى التي تعتبر أن الكتائب يحاول استثمار أزمة النفايات لتحقيق مكاسب سياسية وشعبية.

حزب الكتائب اللبنانية يسعى لكسر الصورة النمطية للأحزاب اللبنانية، التي لا تزال حبيسة الماضي والطائفية ويرى متابعون للساحة اللبنانية، أن إصرار الكتائب على الوقوف في وجه الخطط “الترقيعية” المطروحة لحل أزمة النفايات يعكس توجها جديدا للحزب يقترب أكثر من الأحزاب الغربية والأوروبية خاصة التي تتبنى قضايا البيئة ومكافحة الفساد وغيرها من القضايا التي تعنى بالإنسان. ويقول هؤلاء إن الحزب يسعى لكسر الصورة النمطية للأحزاب اللبنانية، التي ما تزال حبيسة الماضي والأيديوليوجيا والطائفة. وجدير بالذكر أن الحزب الماروني سبق وأن أعلن أن بابه مفتوح لمن هم خارج طائفته للانضمام إليه، وهذه المسألة ليست مستجدة، ولكن يبدو أن هناك حرصا اليوم من القيادة الشابة للحزب على تفعيلها على أرض الواقع وإن كان ذلك صعبا في ظل الواقع اللبناني المتؤثر بموجة النزاعات الطائفية في المنطقة.

ونأى الحزب بنفسه عن تحالف حزب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر المارونيين، حيث بدا رافضا لمنطق التمترس خلف الطائفة، وهذا ما اعتبره كثيرون يعكس بعد نظر، في ظل هذا الظرف المتأزم إقليميا. ويجد الحزب نفسه اليوم أقرب إلى المجتمع المدني الذي نجح في الأشهر الأخيرة في تثبيت أقدامه وأصبح مدعاة قلق للقوى السياسية التقليدية. وأحدث المجتمع المدني في الانتخابات البلدية الأخيرة المفاجأة حيث كاد يطيح بقائمات المستقبل في العاصمة بيروت، حيث بدا الفارق ضعيفا.

في حال استمرت أزمة النفايات ولم تجد الحكومة حلولا سريعة لإنهائها، يرجح اندلاع موجة احتجاج جديدة قادتها نشطاء مدنيون. ويعتقد متابعون أن توجه الكتائب نحو هذا المكون (المتجمع المدني) الذي بدأ يشتد عوده، وابتعاده أكثر فأكثر عن الأحزاب والقوى التقليدية، سيجعلانه في مرمى نيران الأخيرة.