يثبت بالملموس يومياً، أنّ الأزمة المستعصية التي تمنَع بلوغ مفاتيح الحلول للأزمات الأخرى التي يعاني منها البلد، وإعادة إطلاق عجلات الدولة الرئاسية المفقودة، والمجلسية المعطلة والحكومية المشلولة، هي أزمة الثقة التي تَحكم العلاقات بين القوى السياسية. يأتي ذلك في وقتٍ يبقى لبنان في عين الرعاية الدولية، وتجلّى ذلك بدعم أميركي متجدّد لأمن لبنان واستقراره، وباستعداد لدعم الجيش وتعزيز قدراته وإمكاناته في حربه على الإرهاب. فيما أكّد مرجع أمني كبير لـ«الجمهورية» أنّ الوضع الأمني جيّد عموماً وأفضل بكثير ممّا كان عليه في الأسابيع القليلة الماضية، وكلّ ذلك بفضل الجهوزية العالية لدى الجيش والتشدّد في الإجراءات التي ينفّذها في المناطق اللبنانية وعلى الحدود «التي تتواكب مع مناورات حيّة (في العاقورة على سبيل المثال) حول سُبل جديدة في محاربة الإرهاب.
فتِح الأسبوع على غيوم نفطية كثيفة متراكمة في أجواء عين التينة والمصيطبة، وبدا أنّ الجسم السياسي بشكل عام عاد إلى الانضباط، ومن دون أيّ ضوابط، تحت سقف الاشتباك النفطي بين الرئاستين الثانية والثالثة.

وبالنظر إلى الأجواء المحيطة بملفّ النفط، بات من المؤكّد أنّ هذا الملف دخلَ فعلاً مرحلة التجميد، إلى حين بروز معطيات تنتشِله من «البرّاد السياسي»، فيما كان الهمس يتصاعد في مختلف الأوساط السياسية بحثاً عن الأسباب الحقيقية، أو بالأحرى «القطبة المخفية» التي ظهرَت فجأةً، وتسَبّبت بتعثّر التفاهم النفطي الذي تمّ في عين التينة بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس تكتّل «الإصلاح والتغيير» النائب ميشال عون ممثَّلاً بوزير الخارجية جبران باسيل.

ويبدو أنّ منسوب استياء برّي ما زال عالياً، وتبعاً لذلك يكرّر أمام زوّاره «أنّ هناك خطأً كبيراً يُرتكب في حقّ البلد كلّما تأخّرَ في الاستفادة من هذه الثروة، وبالتالي ليس هناك ما يوجب التأخّر في وضع هذا الملف على سكّة الاستفادة من ثروته».

ولا يرى برّي أيّ مبرّر للتوجّه التعطيلي الذي يَسلكه البعض في الجهة الحكومية، ويوحي في الوقت نفسه، بأنّه يعرف تماماً مَن حاكَ تلك القطبة المخفية، لا بل مَن أمرَ بحياكتها، في وقتٍ كان التفاهم النفطي قاب قوسين أو أدنى من أن يوضَع على سكة التنفيذ الذي تأخّرَ لسنوات.

وعكسَ وزير المال علي حسن خليل التوجّه ذاته، برَميِ الكرة في ملعب رئيس الحكومة تمام سلام، حين قال ردّاً على سؤال لـ«الجمهورية» حول أسباب التأخير: «قمنا بما علينا، والباقي بعهدةِ الرئيس سلام». مشدّداً في الوقت عينه على «أنّ إحدى المعالجات الجوهرية للأزمة المالية والتي لها علاقة بتحريك عجَلة الاقتصاد هي الإسراع بإقرار مراسيم النفط حتى يبدأ العمل به».

آخِر من يَعلم؟!

في المقابل، وفيما بدا أنّها رسالة سلبية من عين التينة إلى المصيطبة تجلّت بعزوف خليل عن المشاركة في الوفد الرسمي المرافق لرئيس الحكومة تمّام سلام إلى القمّة العربية المزمع عقدُها في موريتانيا الأسبوع المقبل، كانت الأوساط القريبة من سلام تُبدي استغرابها واستياءَها من إلقاء مسؤولية التعطيل والعرقلة على رئيس الحكومة، موضحةً أنّ سلام «مع الموضوع النفطي ومتحمّس له، إنّما ليس مقبولاً ان يتمّ تجاوزُه، ويبدو وكأنّه آخر مَن يَعلم في أمرٍ مهمّ كهذا، وبالتالي يَعلم به عبر وسائل الإعلام!

المشنوق لـ«الجمهورية»

وفي السياق، رفضَ وزير البيئة محمد المشنوق تحميلَ سلام مسؤولية التعطيل، وقال لـ«الجمهورية»: «ليس صحيحاً أنّ الرئيس سلام يُعرقل ملفّ النفط، والأكيد أن لا أحد ضدّ أيّ اتّفاق يحصل.

كما أن ليس هناك خلاف على إقرار المراسيم التطبيقية داخل مجلس الوزراء، لكنّنا نحتاج إلى تهيئة الأجواء. هناك بعض التفاصيل التي يَعمل رئيس الحكومة على ترتيبها، وهناك فريق يعمل على هذا الأمر، برأيي اللجنة ستُدعى، إلّا أنّ الأمور مرهونة بمواقيتها».

باسيل

وسألت «الجمهورية» باسيل عن هذا التأخير، فأكّد مجدّداً أنّه «فاتحَ الرئيس سلام أكثر مِن مرّة بالمراسيم التطبيقية، والكلّ ينتظر دعوةَ اللجنة الوزارية».

وفي الموضوع ذاته أبلغَت مصادر وزارية «الجمهورية» قولَها إنّ رئيس الحكومة «تبلّغَ من عدد من الوزراء في الآونة الأخيرة أن ليس هناك أيّ اتّفاق بمعنى أنّ هناك نصّاً أو بنوداً أو ما شابَه ذلك، وليس هناك افتئات على صلاحيات مِن أيّ مستوى على أيّ مستوى، ولا يوجد أيّ تجاوُز مِن أيّ سلطة لأيّ سلطة، بل كلام عام حول ملفّ مهمّ صار من الواجب السير به وأخذُه إلى مدار التنفيذ».

فتفت لـ«الجمهورية»

وحول الملف ذاته قال النائب أحمد فتفت لـ«الجمهورية»: «في الحقيقة، لا أحد يعرف شيئاً أو يَعلم علامَ اتّفقوا وعلامَ اختلفوا؟ هناك فريقان اتّفَقا، ومعنى ذلك أنّ التعطيل كان خلال السنوات الثلاث الماضية عند أحدهما. أن يتّفقوا على موضوع النفط أمرٌ جيّد، لكنّ الإخراج كان سيئاً وأوحى بوجود محاصَصة».

تخوُّف كتائبي

وتخوَّفَ حزب الكتائب من أن يكون ملف النفط والغاز على غرار باقي الملفات، موضعَ صفقات سياسية ثنائية أو متعدّدة الأطراف، ما يؤشّر إلى وجود مصالح مباشرة للأفرقاء السياسيين في لبنان، خصوصاً في مرحلةٍ تغيب فيها الرقابة الدستورية والقضائية، كما في مرحلة الفراغ الرئاسي وتعطيل المجلس النيابي، في ظلّ حكومة «مرِّقلي تمرِّقلك»، العاجزة عن معالجة أبسط الملفات كملفّ النفايات من دون سمسَرة وصفقات.

جنبلاط لـ«الجمهورية»

من جهة ثانية، شكّلت زيارة رئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط إلى بكركي حدثاً بارزاً انطوى على محاولة لكسر حلقة المراوحة التي تأسر الوضعَ الداخلي على كلّ المستويات.

وفيما أكّد جنبلاط لـ«الجمهورية» على الجوّ الودّي مع البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي، وعلى إيجابيات المحادثات بينهما، شدّد على ضرورة الوصول إلى تسوية رئاسية بصرفِ النظر عن اسمِ الرئيس، مع التعويل على جلسات الحوار في آب، التي دعا إليها الرئيس برّي، ذلك أنّ «هذه التسوية برأيي تشكل الباب الرئيسي للخروج من الأزمة الراهنة». واللافت للانتباه أنّ موقف جنبلاط لقيَ صدىً إيجابياً في عين التينة التي ترى ان باب آب مفتوح لولوج «باب التسوية» إن صفت النوايا.

وعلمت «الجمهورية» أنّ جنبلاط أرادَ طوال اللقاء التأكيدَ على ختمِ جرح الجبل، والتشديدَ على العيش المشترك والمصالحة المسيحية - الدرزية، وعدم تكرار تجارب حروب الجبل بين الموارنة والدروز. وفي ما يتعلّق بالشقّ السياسي والرئاسي، أكّد جنبلاط للراعي أنّه ليس خائفاً أبداً من التفاهم المسيحي ـ المسيحي، وخصوصاً في ملفّ رئاسة الجمهورية.

دعم أميركي للجيش

على صعيد آخر، بَرزت في الساعات الماضية زيارةُ قائد القوات البرّية في القيادة الوسطى الأميركية الجنرال مايكل غاريت لقائد الجيش العماد جان قهوجي.

وفيما أعلن أنّ البحث الذي تمّ في حضور السفيرة الأميركية الجديدة اليزابيت ريتشارد تناوَل العلاقات الثنائية بين جيشَي البلدين، وسُبلَ تفعيل برامج المساعدات العسكرية الأميركية المقرّرة للجيش اللبناني، علمت لـ«الجمهورية» أنّ المسؤول العسكري الأميركي جَدّد تأكيدَ الدعم الأميركي للمؤسسة العسكرية والتوجّه نحو زيادة المساعدات المقرّرة لها، والحِرص على استقرار لبنان ومنع تفَلّت الأمن فيه. وأشاد بالجهود التي يبذلها الجيش والإنجازات التي يحقّقها في حربه على الإرهاب».

هل ستولد موازنة؟

إلى ذلك، دارَت الجلسة الثانية لمجلس الوزراء مطوّلاً في الأجواء الماليّة، من دون أن تحطّ عند باب الحلول للمعضلة المالية القائمة، فقد استعرضَت الهواجس الماليّة في ضوء تقرير وزير المال الذي يؤشّر، ما لم تتمّ المعالجات، إلى إمكان تخطّي الخطوط الحمر، ويصبح لبنان أمام واقع تخفيض تصنيفه الائتماني والمالي من قبَل مؤسسة«موديز» التي حافظَت في تقريرها الأخير على تصنيف لبنان السيادي B2 وعلى نظرتها المستقبلية السلبية له.

وأملَ وزير المال ألّا تكون الجلسات مجرّدَ نقاشات عابرة، داعياً إلى حلول جدّية من مجلس الوزراء وقرارات حاسمة في شأنها. مشدّداً على إقرار موازنة وفقاً للأصول. (هذا يتمّ عن طريقين؛ الأوّل عبر إقرار الموازنة في مجلس النواب، أو عبر إصدارها بمرسوم إذا ما أحيلت الموازنة إلى مجلس النواب وانقضَت المهلة القانونية لإقرارها).

الحاج حسن لـ«الجمهورية»

وقال وزير الصناعة حسين الحاج حسن لـ«الجمهورية»: «نحتاج إلى مزيد من الاتّصالات السياسية للإجماع على موقف إقرار الموازنة، فهناك بعض الأمور التي تحتاج إلى اتّصالات وتفاهمات داخل الموازنة العامة».