لم يكشف جديدا وزير الداخلية عندما كشف العلاقة التبعية التي تربط سعد الحريري بالمملكة السعودية، الا انه لم يكن موفقا حين حاول تبرير اسباب تراجع تيار المستقبل وتخبط ادائه السياسي وتراجع شعبيته، بالخصوص بعد ما افرزته الانتخابات البلدية في طرابلس على وجه التحديد ليرمي بها بعد ذلك على كاهل المملكة وتحميل العهد السابق (ايام الملك عبدالله) تبعات ما وصل اليه الحال لتيار المستقبل محاولا بذلك تبرئة ساحة الحريري من اي مسؤولية وتصويره وكأنه كان مجرد منفذ لسياسات لم يكن هو مقتنع بها وبالتالي فلا يتحمل مسؤولية ما يعانيه تياره   

  ولا ادري ان كانت هذه المحاولة تندرج في سياق المدح والدفاع عن سعد او هي ( عن قصد او عن غير قصد ) ستؤدي الى المزيد من توريط الحريري والى ما يشبه كسر الجرة مع امتداده الاقليمي الذي تمثله المملكة كمرجعية سنية طبيعية يحتاجها اي زعيم سني في لبنان ويكون وزير الداخلية بهذه الحال كمن اراد ان يمدح فذم وان يفضح ففتضح وهذا ما اظهرته الحملة الاعلامية لوسائل الاعلام السعودي ورد سفيرهم في لبنان وما قيل عن الجلسة التي جمعته بالمشنوق والتي لم تفض الى اجواء ايجابية كما صار معلوما .

    من المؤكد ان ما صرح به وزير الداخلية نهاد المشنوق كان بالتنسيق مع الشيخ سعد وعلمه مما يعني ان تأزم العلاقات بين الاخير والسعودية قد وصل الى مفترق مفصلي كبير قد نشهد بعده واحدة من حالتين اما اعادة ترتيب للعلاقات السعودية- الحريري  على اسس جديدة واما حالة طلاق نهائي مما يعني بداية افول نجم الحريري كلاعب اساسي على الاقل والقرار بكلتا الحالتين هو بيد المملكة وحدها وبحسب ما تراه يخدم مصالحها هي.  

  يبرز هنا السؤال الكبير عن الاسباب التي اوصلت الامور الى هذا الحد وقد قيل الكثير في الايام الماضية كمحاولات تفسيرية واجوبة قد تكون صحيحة ابتداء من حالة التردد عند سعد الحريري نفسه مرورا بفشل مستشاريه حوله ووصولا الى الازمة المالية التي يعاني  منها وقد تكون كل هذه الامور مجتمعة ومعها امور اخرى ايضا.   

    الا ان بمقارنة بسيطة بين علاقة سعد الحريري بالسعودية وعلاقة السيد حسن بايران تبرز حينئذ نقطة اساسية على الشيخ سعد ان يفقها وان يعمل وفقها ان اراد عودة المياه الى مجاريها عبر اتخاذ السيد حسن نصر الله كنموذج يحتذى بين ولي الامر والجندي المطيع، لان الدول لا تعترف بانصاف " العملاء " ولا يوجد عندها هامش من الحرية والاختيار بالخصوص عندما تريد هي من متبوعها امرا ما وبالاخص في حالة تكون الدولة المعنية تخوض صراعا او حربا وجودية كالتي تخوضها المملكة الان في اليمن  وسوريا بمواجهة ايران واتباعها في المنطقة .

    صحيح ان علاقة السيد حسن بالجمهورية هي علاقة عضوية عقائدية مما يعني انتفاء اي فاصل موضوعي بينهما، وهذا قد يسهل عليه المهمة باعتبارها جزء لا يتجزء من قناعاته وليس فقط مجرد تابع ومتبوع، وهذا الاعتبار غير موجود في حالة سعد- السعودية، صحيح انه لا رابط عقائدي بين الحريري العلماني الوطني وبين اسلامية المملكة الا بخيط التسنن الرفيع الا ان  الصحيح ايضا ان هذا لا يمنع البناء على تقاطع المصالح ووحدة الخصومة وقد يكون هذا الاعتبار اقوى بمكان ما من مجرد الافكار حتى ولو ارتدت الثوب الديني مع الاخذ بعين الاعتبار عدم وجود مشروع سعودي خاص بلبنان ولا يوجد لديها اطماع توسعية كما هو عند الايراني، وهذا ايضا يمكن ان يسهل المهمة اكثر عند الحريري وبدون الحاجة الى بذل جهود من اجل الربط بين العقيدي والمصلحي كما يفعل حزب الله بدعايته الترويجية .

    ومن هنا فلا معنى البتة في اوج الصراع السعودي الايراني ان يخوض تيار المستقبل حوارا وديا ويجلس على نفس الطاولة مع حزب الله الذي يهاجم يوميا المملكة في وسائله الاعلامية ، فهنا يتوقف اي اجتهاد وينتهي اي معنى للتأويل، وهنا بالتحديد تكمن قوة نصرالله مع ايران، فلا السيد ينتظر كي يلبس لامة حربه لقرار ايراني ولا ايران تجد نفسها مضطرة للطلب من السيد ان يرسل قواته الى حيث يجب ان يكون، انما الامور تجري بينهما بطريقة ميكانيكية تكاملية وبشكل طبيعي جدا .    

طبعا ليس المطلوب من تيار المستقبل ان يرسل هو الاخر " قواته " الى اي مكان، بل كل المطلوب ان يكون جزء من المعركة ( الايرانية - السعودية ) بالحد الادنى وبالامكانيات المتوفرة، وهذا ما لا يقوم به سعد الحريري في هذه المرحلة وبالتالي فلا حاجة للسعودية به .     


ختاما فاما ان يرقص سعد الحريري على الحان المملكة كما يفعل نصرالله مع الالحان الايرانية واما فان المملكة سوف تبحث عن راقص اخر، وهذا ما سوف نعرفه في الايام القادمة . 

  ملاحظة : هذه المقالة هي توصيف للوضع وليست مقالة رأي .