تبدأ قصة الإمام موسى الصدر ولا تنتهي وهي من القصص النادرة التي لم يعرف لها نهاية حتى الآن. ولعل القيمون على قضية الإمام يتعمدون خلق هذه الحالة من الضبابية حول قضية رجل كان مجيئه إلى لبنان لغز وعمله لغز وغيابه لغز. فاللغز مصطلح وكلمة سر ترافق سيرة هذا الرجل الذي سجل أهداف سريعة ونوعية في تحديات الطائفية والعدو الإسرائيلي والتطرف والإرهاب ففتح فكره على آفاق واسعة سمتها الحرية ووسيلتها الإجتهاد المطلق الذي لا يتصادم مع فكرة التوحيد وأسس العقل والمنطق. لقد كان حريصا بقدر ما كان متحررا وحرصه محدد بدور قام به إعتبره هو نفسه محدد من الله فغير المفاهيم الدينية وأشعل نار التفكير والتنوير في منطقة شهدت على حالات سابقة من المفكرين والعلماء ورجال الدين الذين قدموا للجنوب وجبل عامل وحتى إيران إبداعاتهم وخدماتهم. فاللغز سمة ترافق الإمام الصدر في كل خطوة يقدم عليها لأن ما كان يقدمه في حينه أي في زمنه كان صعب الفهم والإستيعاب ففكره وعلمه إمتاز بالنظر إلى الأمام خطوة وخطوتين لذلك فكره ما زال صالحا حتى الآن بل في كل زمان ومكان.

مميزات فكر الصدر:

عدة عناصر ومقومات ترسم ملامح وبنى فكر الإمام موسى الصدر وتركت بصماتها في الإنجازات التي تمت في زمنه وبعده. ففكره يمتاز أولا بالتحرر لا التفلت درجة الإباحية بل ما هو محدد بأطر الأخلاق والعقل والدين. كذلك يمتاز بالنزعة التجديدية الرافضة لترسبات الماضي وبعض السلف السيء. فالتجديد في فكره قائم على مرتكزات لا تهدم الدين بل تقدم الدين بلغة العصر. ويتميز فكره بالإنسانية العابرة للطوائف والمناطق والأزمنة على قاعدة : إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق وهذه سمة بارزة في فكر الإمام بل إن كل مشروعه كان بهدف الإنسان وراحته وقدم أطروحته الشهيرة التي أصبحت شعارا وهي الدين في خدمة الإنسان لا العكس. فالأولى تنتج حركة وراحة وتفكير للإنسان وبالتالي حضارة وتطور أما الثانية فتختزل الدين بالشعائر الفارغة وتحوله إلى طقوس جامدة ومؤسسة بطيئة التفكير والتقدم. ومن هنا إنطلق الإمام ليخاطب الإنسان وضميره ويفتح له الآفاق ويخلق له الحلول التي تبعده عن اليأس والإحباط فكان فكره فكر يحب الحياة لا يهوى الموت. وإنطلاقا من هذه السمة، أنتج الإمام رؤية وحدوية قائمة على التوحيد كمسلمة بين الأديان الإبراهيمية الثلاث بغض النظر عن الإشكالات التي كان يتجاوزها ويركز على المشتركات خصوصا ما له علاقة بالأخلاق والمعاملات الإنسانية والقيم الفطرية المشتركة. فلم ير أي إنسان يقرأ من فكر الإمام الصدر أنه فكر غريب وفكر ميت بل وجده فكر صالح لبناء وطن والتأسيس لمستقبل أفضل.

المحنة التي نعيشها:

بالتأكيد الإمام موسى الصدر ليس قدر اللبنانيين وخصوصا الشيعة لأنهم الأكثر تأثرا به ولم يقدم نفسه أو يسوق لشخصه بهذه الطريقة بل آمن بالعمل والفكر الرسالي الذي يستمر ويتجدد على أيدي من يرث هذا الفكر لاحقا لضمان النجاح والفلاح. ولكن ما حصل ونعيشه اليوم هو غياب تام لفكر الإمام الصدر عن أدبيات حياتنا السياسية والدينية والثقافية والأخلاقية والإجتماعية. غياب مرير يحبط الإنسان ويشجعنا على الإستسلام فبغيابه إستبدلت وحورت أفكاره وشوهت مفاهيمه وحرفت مقاصده. لا أحد يستطيع أن يدعي اليوم أن المجتمع وخصوصا المجتمع الشيعي الذي نعيش به هو المجتمع الذي حلم وعمل من أجله الإمام. كل من يدعي ذلك فهو مكابر لا غير. الأمور تجاوزت فكرة تهميش أو تشويه أفكاره إلى مرحلة خطيرة بدأت تقول بأن الإمام الصدر رجل يخطأ وبعض ما قاله ومارسه كان قد أخطأ فيه. هذه النغمة الجديدة وللأسف بدأت تعزف في أوساط عناصر التنظيم الذي أسسه الإمام الصدر وهو حركة أمل ومن قبل بعض رجال الدين "قراء العزاء" المحسوبين على مرجعيات دينية مختلفة في العراق خصوصا. ففي زمن التطرف والإرهاب والتكفير المتبادل بين الشيعة والسنة، بدأ عدد من رجال الدين بالتخلي عن أدبيات الإمام الصدر والذهاب والتغريد بعيدا بالتجييش والتحريض. فليس غريبا أن لا تجد أي رجل دين محسوب على خط الإمام الصدر لا ينزل ويعتصم لوقف الإشتباكات التي حصلت منذ سنتين في طرابلس بل ستجد رجال دين وبعيدا عن الشاشات تحرض على المزيد من العنف. فالغياب التام لسماحة أفكاره حولت رجال الدين في مجتمعنا الشيعي إلى مؤسسة وحالة هي نفسها التي حاول الإمام الصدر القضاء عليها فكفر لأجل ذلك.

أدبيات عاشوراء الحقيقية غائبة:

أكثر ما تحدث الإمام الصدر عنه هو الثورة الحسينية وعاشوراء. والمبكي حقا هو أن يقوم أي إنسان محايد بإجراء مقارنة بين ما قاله وطالب به الإمام الصدر حول هذا الموضوع وما يمارس من عادات من قبل أتباعه ومحبيه في هذه المناسبة. سيجد أي محايد فرق ليس عادي فقط بل فرق وقح وتجرأ متعمد على أدبيات فكر الإمام الصدر الحسينية. وقد حرص الإمام على ربط القضية الحسينية بالشأن الإجتماعي والأخلاقي خصوصا. وهنا تبرز الطامة الكبرى، فتحول شعار الإمام الصدر الذي إفتخر فيه بأن كوادره هم مشاعل ورفاق للمسيح والنبي إلى شعار يردد كل يوم وهو:" نفتخر بأننا زعران". قضية ليست بسيطة، قضية تعاش في عاشوراء وخارجها، قضية جمدت نشوء المجتمع الرسالي الذي آمن وعمل من أجله الإمام. فنحن في واد والإمام في واد أخرى.

شعار الدولة الإسلامية في لبنان:

على عكس ما يحلو للبعض تصنيف الإمام الصدر على أنه من الداعين لإقامة الدولة الإسلامية في لبنان والذي لا يوجد فيه أي نص أو قول للإمام يؤكد هذا الإفتراء على فكره، يؤمن كثر من المراقبين أن الإمام الصدر كان من الداعين لإقامة الدولة المدنية القائمة على إلغاء الطائفية السياسية والتعايش الإسلامي المسيحي ومفهوم المواطنة والحرية الصحيحين. وكان شعاره الشهير:" لبنان وطن نهائي لجميع بنيه" والذي وضع لاحقا في مقدمة الدستور دليل إضافي على إيمان الإمام المطلق بفكرة لبنان الدولة القائم على المدنية والتعايش والمواطنة وله بحوث جريئة حول تعدد الزوجات وقانون الأحوال الشخصية والعلاقة مع غير المسلم. فلم يعتبر في يوم من الأيام أن رأسمال وقوة لبنان هي في مسلمه أو الشيعي فيه بل إعتبر أن أكبر رأسمال للبنان هو الإنسان. هذا الإنسان الذي يرتبط مع الإنسان الآخر في الوطن على أسس عقد إجتماعي مدني لا يتعارض مع بديهيات وقيم وأخلاقيات الدينين المسيحي والإسلامي. وأكبر دليل على عدم صوابية شعار الدولة الإسلامية في لبنان والتي راجت في أواسط الثمانينات هو تراجع أصحابها عنها وإعترافهم بعودتهم إلى أدبيات الإمام الصدر حول نهائية الكيان. فشعار الدولة الإسلامية في لبنان ولد ميتا ولا أمل من قيامة هكذا دولة خصوصا أن اليوم هناك نيات ودعوات لدى بعض التيارات الإسلامية السلفية في هذا الإتجاه.والمشكلة بهذه التيارات وبتلك التي تبنت في الماضي هذه الدعوة وتخلت عنها حاليا ولو ظاهريا هي أنهم لم يفهموا طبيعة وتركيبة وتاريخ لبنان كما فهمه الإمام الصدر. نجح الإمام الصدر في إمتحان فهم وإستيعاب لبنان كدولة وتاريخ ونظام وسكان وهم فشلوا في هذا الإمتحان.

التبعية للخارج والمقاومة:

وضع الإمام الصدر رؤية واضحة لعلاقته مع الخارج. هو أولا لم يعاد أحدا ولم يدخل في لعبة المحاور بل إتبع سياسة العلاقات المفتوحة مع جميع الدول العربية والعالمية ما عدا إسرائيل طبعا. وإستفاد من هذه العلاقات لخدمة لبنان وتحويل الجنوب إلى قضية تشغل العالم ودفع ثمن ذلك تغييبه عن الحياة السياسية. لم تكن علاقته مع سوريا قائمة على التبعية، كان لديه من الجرأة والإيمان أن يرفض، ورفض خلق صورة للشيعة بأن إيران هي من تحميهم وهي أم الشيعة في العالم بل دعاهم إلى تمسكهم بأوطانهم وإيمانهم بالآخر المختلف عنهم عقائديا لأنه مواطن مثلهم. ببساطة حاول الإمام الصدر نزع عقدة المظلومية من وعي الشيعة وجعلهم ينفتحون على أنفسهم ويؤمنون بمستقبلهم وقدرتهم على المشاركة والتغيير. أما اليوم، فالدعوات للإنفصال عن الشريك في الوطن تصاعدت، والمناداة بحقوق الأقليات وحمايتهم وخصوصا الشيعة كثرت، والمظلومية عادت وهنا المشكل. المظلومية تحول الآخر إلى عدو وحولت الشيعي كما السني قبله إلى إرهابي بنظر العالم وهذا ما حاول الإمام الصدر تجنبه فنجح هو وفشل من ورثه. أما المقاومة فكانت واضحة الهدف وهي إسرائيل لا الشريك في الوطن وعندما شعر أن دعوته الشهيرة السلاح زينة الرجال أسيء فهمها وبدأ السلاح تتغير وجهته أطل عبر الصحف ووسائل الإعلام ليتراجع عن هذا الشعار ويوضح مقاصده.فكانت طريق القدس مختصرة بنظر الإمام وتحريرها على أيدي أبنائها أما اليوم فتعددت طرق القدس وتحولت القضية الفلسطينية إلى شماعة وحجة لتثبيت نظم وخلع أخرى.

الفكر المغيب:

ننظر إلى واقعنا اليوم ونرى أن من خطفه إستطاع تغييبه جسدا فنتألم. ثم ننظر مرة أخرى ونتأمل فنرى أن من غيب فكره ليس خاطفيه بل وارثيه فنتألم أكثر. هو اللغز من جديد لا يريد مفارقة هذا الرجل.  

بقلم: هلال رميتي.