في السابع والعشرون من أيار، في الساعة الثامنة إلا عشرون طريقة :    خرج من غرفته العتيقة كسجادة جدتي ، خرج على هيئة نصيحة ، نصيحة شخص أبله يتحدث في أمور لم يفهمها جيداً ، تلك النصيحة العفنة ، أظنني أعرفها جيداً ، خرج بعدما كتب مقالاً أحمقاً عن كافكا ، كان حذاؤه قديم جداً ، لم يستبدله منذ أربعة أعوام ، ليس لضائقة مالية أو بخل ، لكنه ربما وفاء للطرقات التي مشى فيها بهذا الحذاء ، أو وفاء للوحل ، أو وفاء للوجود ، الذي هو عبارة عن ممشى ، مضمار ، خطوات ، تحركات ، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا ، وجهه كان أشعثاً كتاريخ بلادي ، مليء بالخيانات والإغتيالات والكذب و تجارة الرق و تجارة الدين ، هذا الصبي المتعجرف العاشق للنساء ، الذي يبدو كشارب علقت عليه حمالة صدر زرقاء ، خرج لمقهى شعبي كما هي عادة الرهبان عندما يذهبون لمحاريبهم ، و صوامعهم ، ذهب ليمارس إبتهالاته مع فناجين القهوة .   بعد ثلاث ساعات من المحاولات المستميتة لإكمال الفصل الثاني من كتاباته .. إندفع يتحدث مع مالوكان معلقة في المحل المقابل للمقهى : أوتعلمين ، يبدو انه ثمة شيء ، ثمة خلل ، ثمة قرد في هذا الكون يحاول ان يتظاهر بأنه ابن عم لوزير المالية السمين ، ذو الوجه الأحمر كمؤخرة القرد تماماً، ثمة خلل ، فأنا منذ ساعات و أنا أحاول التفكير ، و التفكير يحاولني ، أقصد يحايلني ، ثمة خلل ، ثمة إفريقي يتبول على الرصيف الآن و يبتسم وبداخله ضحكة عريضة وحادة جداً ، وكأنه يريد أن يصرخ “أنا اتبول الآن على عالمكم البغيض هذا” ، حقاً أنا أعلم ذلك ، ثمة قبيلة في رأس كل واحدٍ منّا ، قبيلة من الهنود الحمر ، الذين يحددون نوعاً من الطيور التي يجب أن لا تؤكل في يوم الجمعة ، لا أدري ، لكنه ثمة شيء ، ثمة سماء ثامنة في صوت حبيبتي الصغيرة ، وسماء تاسعة في مقامات العود العربي ، ثمة سيجارة تشبه المومياء ، وثمة إمرأة كانت تحبني ، كانت تشبه حرف الراء بصوت "يمنى فواز” .. عندما كانت تصرخ في مظاهرات ساحة رياض الصلح "ايحلوا" بمعنى ارحلوا .. كانت هناك عجوز تصرخ ايضا .. تشققات وجهها اعمق من تشققات الكرة الارضية .. كانت تصيح بحزن قد استعارته من تاريخ هذا الكوكب ، منذ أن حدثت أول جريمة قتل في هذا الكوكب ، و حتى آخر ذبابة قتلها رجل ما في أحد القطارات بواسطة الصحيفة اليومية التي لفها ، ثم صفع الذبابة و كأنها قد قامت بشتم أمه أو التحرش بأخته ، هذا لا يهم ، لكنه ثمة شيء ، ثمة رجل يُغلق عقله في يوم الجمعة و السبت ، وفي أيام الأعياد السنوية ، وثمة خلل في هذه الحياة ، ثمة إمرأة لا تجيد إستخدام اصبعها الأوسط في الأوقات الطارئة ، سواءً لإطلاق الشتائم ، أو لأغراض أخرى لا يعلمها إلا الله ، أنا لا أقصدك يا سيدتي المحترمة ، لكنه ثمة شيء ، ثمة فكرة في رأسي تربط حبلاً في سقف جمجمتي لتنتحر ، ها أنا أراها ، و انظر إليها بإحتقار ، و كأنني أقول لها أنها غير مهمة و غير مجدية و لا بأس بأن تموت كغيرها من الأموات في المقابر و في بطون الكتب ..   ثمة عمر قد مضى ، و عمر يأتي ، مترنحاً ، عمر يحمل المستقبل على كتفيه ، كعجوز تحمل صندوق طماطم ، يحمل المستقبل على كتفيه و في جيبه بقايا الذكريات ، فتات الماضي ، ثمة وطن : فيه فتاة تجيد الغناء قليلا ، وفيه صبي يجيد العزف قليلا ، تقابلا في أحد الأحلام التي أحلمها في نومي ، كانت الفتاة جميلة جداً و تشبه ضحكتي عندما كنت طفلاً لا يدري ما الفرق بين المرأة والرجل و بين الإمبريالية و الإمريالية البحرية . كان الصبي أهوجاً جداً و يشبهني عندما كنت أهرب من المدرسة ، وعندما جرحت ساقي و أنا أحاول النزول عن سور المدرسة ، كنت حينها صبياً فضولياً يحب العلم و الإكتشاف والبحث و الفتيات و لا يحب المدرسة .   نعود لقصة الوطن و الفتاة و الصبي .. كانت الفتاة تمشي في أحد الشوارع القابعة في إحدى الفقرات الشيقة من أحلامي ، وكانت ترتدي قميصاً لا أعرف ما لونه “إسم اللون بالتحديد” ،لكنه يشبه هذا القميص الذي ترتدينه الآن ، كانت فاتنة جداً ، سأعرض عليها الزواج مستقبلا مقابل أن أهديها كتاباتي و دعوةً من أمي كنت قد وضعتها تحت سريري.. كان لساقيها فلسفة في المشي و التخطي رويداً رويداً كريشة تسقط من السماء ، و كان الصبي يشبهني “لاحظي أنني اكرر كلمة يشبهني أكثر من مرة” ، عموماً كان يشبهني في كل شيء ، نظراته ، شتائمه ، نوع سجائره ، أغانيه المفضلة ، فريقه ، و شعر ذقنه ، عموماً ، كان الصبي يجلس في إحدى المقاهي الشعبية ، وكان يمارس مشاكساته على النادلة ، فمرةً يناديها لكي يسألها عن وزنها ، ومرةً أخرى يصيح فيها ليسألها عن مرتب زوجها ، و مرةً ينظر لنحرها بطريقة إستفزازية وقحة ، وجنسية جداً ، كان أمامه فنجان فارغ و في مخيلته حلمُ أكثر فراغاً من الفنجان ، في جيبه قبلتين و ورقة كتب فيها “الله – الإنسان – الحرية” ، دخلت الفتاة الفاتنة التي أريد أن أتزوجها مستقبلا، إلى المقهى ، و جلست في الطاولة المقابلة ، و أخرجت دفتراً من حقيبتها ، و قلماً ، و اخذت تكتب . فقام الصبي ، و ذهب إلى طاولتها و قال : أوتعلمين ، يبدو انه ثمة شيء ، ثمة خلل ، ثمة قرد في …إلخ   …. تخرج ضحكة طويلة من الفتاة قبل أن تقول :   – انت مجنون و تحتاج لأن تزور مصحةً نفسية ، ماذا تريد !؟   – أريد أن أفقأ عين الوجود و أهرب ، أن اتحول لشجرة مقدسة في إفريقيا ، أو لصرخة ميت تسبح في السماء ، أو لدعوة أم صاعدة كالصاروخ ، أريد أن أهرب ، أريد أن لا ابقى هنا معي ، في ذاتي ، و أن لا أسأل نفسي عني و عن الفلسفة و السياسة و الدين ، أريد أن اتحول لبائع ترمس ، لا يعرف سوى الترمس وعشيقته ، أريد أن اتحول لقرط في أذن عشيقتي، لا شأن لي إلا أن أكون زينة ، أو أن أكون محطاً للنظر فقط ، كنحر ، و أن أكون لامعاً ، أريد أن اتحول لشارب تُعلق عليه حمالات الصدر الخاصة بعارضات الأزياء الإيطاليات ، أريد أن يأخذني الله ، يستوفيني ، ينتشلني ، أريد أن أهرب ، أريد أن أُجن ، ماذا عن الجنون ؟ ماذا عن الهروب في لمح البصر ، كفرقعة أصابع “ترِك ترِك” ، و أكون قد إختفيت ، أريد أن اتحول لمعزوفة ، أولد في عقل موسيقي فذ ، و أترعرع في بحة الناي ، و أموت عندما يصفق الحضور لروعة المعزوفة .   – هل تقبلين الزواج بي!؟   – و لما أتزوجك !؟   – لا أدري ، لكن ربما انك بحاجة لرجل يوقظك في الساعة الثالثة فجراً ، ليطلب منك أن تساعديه في ترتيب شعره او حلق ذقنه او روي شفتيه بقبلة لا تنتهي ، أو ربما تحتاجين لرجل مجنون ، تبحثين عنه في المنزل ، و بعد بحث طويل تجدينه يجلس بداخل خزانة الملابس ، و بمسك برواية (لإيفان كليما) ، و يتحدث مع الرواية و يقول : “يا أيتها المرأة السجينة في هذه الرواية ، إني آمرك بأن تخرجي الآن ، لكي انقذك من سجن الكلمات هذا ، يا أيها المرأة الجميلة النائمة في الصفحة السابعة و الثمانين ، هل لك بأن تخرجي الآن لأقبلك !؟” ربما انتِ بحاجة لتستيقظى من النوم لتجدي قصيدة ما مكتوبة على مرآة غرفتك بأحمر شفاهك ، ربما تحتاجين لرجل بطباع جنونية ، ربما .

علي المسالمة

Ali Mselme