عندما يقول الفنان احمد قعبور أبرز مرشحي لائحة بيروت مدينتي، إنه ما زال في 14 آذار وإنّ الآخرين تركوا 14 آذار، فهو يكون قد وصف النتائج الكارثية لسقوط قوى 14 آذار، هذا السقوط الذي لن تنتهي نتائجه بما حصل في الجولة الاولى للانتخابات البلدية في بيروت والبقاع، الذي تُرجم بأمانة، مساراً انحدارياً، باتت الفرصة لإصلاحه ضئيلة الى حدّ الانعدام.أن تتخلّى قوى 14 آذار، عن مشروعها السيادي، وعن مشروع بناء الدولة، فهذا يشكل بداية العجز التام عن تلقف الانتصار، هذا في وقت يستمرّ «حزب الله» رغم تعرضه للاستنزاف في بيئته جراء مغامراته، بالاحتفاظ بالقدرة على عدم الانهزام، في وجه تغيير بدأ يأخذ شكل انتفاضة أهلية ومدنية. وعلى العكس من الحزب، فإنّ قوى 14 التي لم تقم على أكتاف القوى الحزبية حصراً، ذهبت الى منطق الانتحار الذاتي، فربحت القوى الحزبية مواقع آنية لها، وخسرت القوة المدنية العابرة للطوائف، التي تشكل العمود الفقري لمشروع العبور الى دولة المواطنة، وها هي هذه القوى تنتفض بوجه أحزاب 14 آذار، وتضعهم في سلة واحدة مع «حزب الله» وحلفائه، في حين أنّ المفارقة تكمن في أنهم ذهبوا هم بأنفسهم وجلسوا في هذه السلة، وفي المرحلة الأخيرة لم يعودوا متمسكين بتكبّد عناء الالتزام ولو لفظياً، بمفردات 14 آذار، التي غيبت للمرة الاولى منذ العام 2005، وتركت الساحة للاعبين جدد شاركوا بمعظمهم في ثورة الاستقلال، وعادوا وكفروا بالأداء والأخطاء والخطايا وما اكثرها. في هذه الصورة الجديدة، بات من المقبول مثلاً بعد ترشيح الرئيس سعد الحريري للنائب سليمان فرنجية، وترشيح الدكتور سمير جعجع للعماد ميشال عون، أن ترى الرئيس الحريري و»حزب الله» وحركة «أمل» والعماد ميشال عون في لائحة بلدية واحدة، كما بات من الطبيعي أن تشاهد تحالفاً مسيحياً في زحلة لا يجمع بين متحالفيه إلّا عنوان توحيد المسيحيين، المختلفين اصلاً على كلّ العناوين السيادية وغير السيادية. في هذا التحالف قرعت الأجراس، فبات للمسيحيين تكليفهم الشرعي المتماثل مع «حزب الله». في بيروت كان المشهد أكثر قسوة. فلقد ترجم انهيار 14 آذار، وتشكيل اللائحة الهجينة، بجملة حملات إعلامية تفتقر الى الاحتراف، خصوصاً منها الذي ربط تشكيل اللائحة بالحفاظ على المناصفة، التي كان يمكن العمل على الحفاظ عليها بتشكيل لائحة منسجمين، على رأسها تيار «المستقبل» وقوى 14 آذار المسيحية، وقوى المجتمع المدني، لكنّ كلّ ذلك لم يحدث بسبب انهيار العلاقة بين «المستقبل» و«القوات اللبنانية»، بعد ترشيح النائب فرنجية، كما أنّ جانباً آخر من أزمة الثقة في اختيار المرشحين للبلدية، لم تتم معالجته، فردّ الجزء الأكبر من الناخبين بالامتناع عن المشاركة، وهو التصويت السلبي الاحتجاجي الذي لا يُحتسب في الصناديق، بل في ذاكرة كلّ محطة انتخابية. تتحمّل قوى 14 آذار مجتمعة مسؤولية هذا الانهيار، ويتحمّل المجتمع المدني المسؤولية الكبرى بعدما أفشل المجلس الوطني، وترك القوى الحزبية تتنافس على فتات الاحجام، وتُحدث تصدّعاً وطنياً، برز جلياً في التعبئة الطائفية وحملات التخوين التي أعقبت الفشل في بيروت. ويبقى السؤال ماذا ستكون الحلقة المقبلة من حلقات تداعي مشروع 14 آذار، خصوصاً أنّ استحقاقات تفجيرية آتية اهمها استحقاق قانون الانتخاب حيث يلوح شبح «القانون الاورثوذكسي» من جديد. لعلّ مشهد الفراغ الرئاسي الذي دخل في سنته الثالثة، على رغم أنّ ترشيح حليفي «حزب الله» يكفي لوصف هذا التردّي المستدام، الذي لم يكن ينقصه سوى اضطرار البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الى زيارة الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله يرافقه مطران بيروت بولس مطر، في استجداء غير منتج لانتخاب رئيس جمهورية لسنتين. من بكركي الى مطرانية بيروت الى الضاحية، رحلة تختصر 11 سنة تمكّن فيها «حزب الله» من أن يعمّم نموذجه، فيما أضاع الآخرون البوصلة والنموذج، وهبطوا من سماء ثورة الاستقلال الى وادٍ سحيق، لم تتبيّن حتى الآن ملامح نهاياته.