المرشد الأعلى في إيران يشتكي بمرارة من أن الغرب لم يفِ بوعوده، وأن العقوبات الاقتصادية على بلاده لم ترفع رغم أنها قدمت الالتزامات المطلوبة منها بإيقاف مشروعها النووي. لا بد أن الوضع عسير على الحكومة الإيرانية حتى تجأر بالشكوى على هذا المستوى.

حظها سيّئ جدًا، فأسعار البترول لا تزال منخفضة، وبسببها وضع إيران المالي اليوم، بعد توقيع اتفاقية البرنامج النووي، هو أسوأ كثيرًا مما كان عليه مثل هذا اليوم قبل عام مضى عندما قبلت بالاتفاق المبدئي! أمر لم يخطر على بال القيادة الإيرانية التي كانت تعتقد أن رفع العقوبات سينهي أزمتها الاقتصادية.

وفي نفس الوقت حجم الانخراط الإيراني العسكري في الخارج يزداد بسبب اشتداد المعارك، وتمويلها المتعدد للأنظمة الحليفة، مثل بشار الأسد في سوريا و«حزب الله» في لبنان والجماعة الحوثية في اليمن.

إيران، خسرت، مثل بقية دول النفط المنتجة، أكثر من ستين في المائة من مدخولها المالي الرئيسي، ولم تسعفها التحويلات المالية التي استرجعت بعضها من حساباتها المجمدة في الخارج. كما أن العقود والصفقات الكثيرة التي استعجلت توقيعها مع حكومات وشركات عالمية لشراء أسلحة، وطائرات مدنية، ومشاريع للبنية التحتية، في ورطة، حيث لا يوجد تمويل لها، مما يعني أن على طهران أن تدفع المزيد من الفوائد البنكية، والغرامات عند التأخير في دفعها.

لم تهنأ الحكومة الإيرانية بفرحة الاتفاق، وهذا سبب مرارة المرشد وتعبيره عن غضبه من الغرب. وقد يكون هو نفسه غرر به عندما أقنعه فريقه المتحمس للمصالحة بأن الاتفاق سيحل مشاكل الدولة المادية، ليجد أن مداخيلها تناقصت بشكل مريع! وهذا لا ينطبق على جيرانه المنافسين له، مثل دول الخليج النفطية، لأنها تملك احتياطيات وصناديق مالية كبيرة قادرة على تمويل عجزها، والبنوك العالمية مستعدة لإقراضها عند الحاجة، أما إيران فلا تملك شيئا من هذا.

لهذا ربما على الحكومة في طهران أن تدرك أن المصالحة مع واشنطن وحدها لن تمنحها الثراء، ولا النفوذ، ولا الهيمنة. وأن تدرك، كذلك، أنه مهما ضخمت قدرات قواتها، وحرسها الثوري، لن تستطيع سد النقص في ميزانية الخبز والرز وحاجات مواطنيها الأساسية.

إيران تريد أن تفرض شروطها في كل مجال ومكان. تريد رفع أسعار النفط عالميًا دون أن تشارك في الثمن، كما فعلت في مؤتمر أوبك الأخير في الدوحة، رفضت تخفيض حصتها من الإنتاج، وطالبت دول أوبك الأخرى، مثل الخليجية، أن تخفض حصتها حتى يرتفع السعر.

تريد من مفاوضي السلام للأزمة اليمنية في الكويت أن يعطوا حليفها الحوثي أكثر مما يستحق على حساب الوضع الذي كان موجودًا قبل الانقلاب. وترفض أي تنازل في سوريا بإصرارها على الإبقاء على كل نظام دمشق، ببشار الأسد، مستخدمة ميليشياتها. تقوم بدفع حلفائها في العراق، مثل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي إلى إحداث الفوضى، بتغيير الخريطة السياسية، وتعتقد أن بقية القوى سترضخ لها. وفي نفس الوقت تخطط وتقاتل من أجل تحقيق كل هذه الأهداف المكلفة وخزينتها في أسوأ وضع مالي منذ سنين.

وربما ما زاد الوضع الداخلي إحباطًا أن المرشد، والرئيس، وبقية أركان الدولة، تسابقوا مطلع هذا العام، يبشرون الشعب الإيراني، بمرحلة ازدهار سريعة، في سبيل إقناعه بأنه عندما أجبر على تحمل العقوبات الدولية عشرين عامًا أخيرًا ربح المعركة رغم أنه لم يحقق وعده بالقنبلة النووية. إنما الإيرانيون يدركون اليوم أن الحقيقة عكس ذلك، تحملوا عشرين عامًا والنتيجة صاروا أفقر مما كانوا.

بعد فشل أرباح صفقة الاتفاق النووي هل أصبحت المعادلة أوضح لراسمي السياسة ومنفذيها في طهران؟ المصالحة مع الغرب لن تفلح في حل أزمات إيران البنيوية التي تواجه الدولة ولن تعالج حاجات النظام المستعجلة. ولو كان في طهران نظام يحكم العقل والمنطق لمد يده إلى كل الجيران حتى يخرج من الأزمات، ومعظمها من فعله أو مستمرة بسببه. يمكن للمصالحة الإقليمية أن تحقق للإيرانيين وجيرانهم الخليجيين نفس الأهداف، الاستقرار والرخاء. إنما هذا المنطق عسير على أنظمة مثل إيران وكوريا الشمالية، وبالاستمرار في رفضه تزيد من ورطتها. إيران تريد أن تتوسع وتهيمن وهي لا تجد ما يكفي لإطعام شعبها.