لم يكن الحدث ان تقوم مجموعة صغيرة، جريئة، من الشبان والشابات برفع لافتات معارضة في وجه الشاعر السوري ادونيس، مساء السبت، قبل ان تخرج من قاعة محاضرته في الجامعة الاميركية، إحتجاجاً على مواقفه المؤيدة لنظام الرئيس بشار الاسد، والمناهضة للثورة عليه.

  الحدث الذي يمكن ان يسجل في ذاكرة بيروت وجامعتها الاهم، هو ان جمهور المحاضرة لم يكن يزيد على خمسين شخصاً، جلسوا في إحدى أصغر القاعات، او بالتحديد في غرفة اجتماعات خاصة، تكاد تبدو مثل زاوية إستقبال جانبية، لا تمت بأي صلة الى المكان الاكاديمي والثقافي المرموق، الزاخر بالمباني والقاعات الضخمة، والتي تشهد تحديات دائمة بين الاساتذة على ملئها بمئات الضيوف والطلاب. 

كان الحضور هزيلاً الى درجة محرجة فعلاً. وكان وجود أدونيس باهتاً، بل مهيناً حقاً. وهو الذي كانت الجامعة نفسها تستضيفه في مناسبات ومواسم سابقة في قاعات كبرى تغص بالمئات إن لم يكن بالآلاف، وفي احتفاليات ترقى في بعض الاحيان الى مستوى ثقافي مميز، يتوج التقدير الاستثنائي الذي خصته بيروت والجامعة للشاعر السوري على مدى رحلته الشعرية والسياسية المستمرة منذ نحو أكثر من نصف قرن.

ما الذي حدث في تلك الأمسية؟ ما الذي جعل جمهور أدونيس نفسه ومريديه، وهم كثر في لبنان ربما أكثر من سوريا، يحجم عن الحضور ولو التشجيعي؟ وما الذي جعل الشاعر المرشح لنوبل الآداب يقبل بالمشاركة في مثل هذه الغرفة الضيقة، وأمام تلك الحفنة من الحاضرين الذين إنزووا في مقاعدهم عندما وقف المحتجون في وجه أدونيس؟ 

الحدث يخص بيروت أولا. وهو ثقافي وسياسي في آن. العاصمة التي غالبا ما كان ضجيجها يفوق حجمها، تتحول الى ضيعة نائية، الى ريف معزول، يندر فيه المهتمون بالثقافة وبالشعر، ويقل فيه المعنيون بالسياسة، ويضيع في صخبها الشاعر الثمانيني المثير للجدل، حتى يكاد يسقط سهواً، من جدول مواعيد المدينة.. لولا اولئك الفتية والفتيات الذين حملوا لافتاتهم، ومضوا مخلفين وراءهم إهتماماً بالمحاضرة لم يقصدوه.

لم يعد الشعر مغرياً ولم يعد الشعراء يغوون كثيرين. لكن المناسبة لم تكن لإلقاء قصيدة او أكثر. كانت محاضرة عن “بيروت: الشعر والفضاء والاجنحة”، وهو عنوان كفيل بان يستقطب الكثيرين من المثقفين والكتاب والطلاب من هواة النوع.. على الرغم مما فيه من تحليق على ارتفاعات عالية جداً، توحي بان الموضوع يعنى بالطيران وآخر اكتشافاته العلمية، وليس بالشعر وآخر إخفاقاته العربية!  

    لم يتقاعد ادونيس، ولن يتقاعد، لكن قدرته على إثارة الفضول، ولو بصفته كهلاً مصمماً على التحدي، تحدي الثورة وتحدي الربيع وتحدي التغيير، هي التي تلاشت وضاعت في بيروت بالذات، حيث كان يعتقد ان هبة الموالين لبشار اقوى وأسرع من حركة المعارضين الذين ما زالوا يكتمون هويتهم، كما يفعلون في أي مدينة خاضعة لسيطرة النظام.

لا يمكن الادعاء ان موازين القوى السورية (او حتى اللبنانية) في بيروت إنقلبت لمصلحة المعارضة، التي باتت قادرة على ان تظهر في العلن بينما يلزم الموالون مساكنهم ويحجمون حتى عن الاستماع الى محاضرة شاعر أصدر المعارضون بحقه حكماً بالادانة. ما زالت الكفة على رجحانها الظالم والبائس. وما زال لبنان يقاس في الخارج بإعتباره فضاء سورياً يشهد بعض حالات التمرد والعصيان، المدني طبعاً، على النظام السوري. 

لعل بيروت، التي تجاهلت أدونيس بهذا الشكل المزري لها وللشاعر في آن، نجت من مشكلة لو تم حشد متبادل لمحاضرة أثار محتواها أيضاً المزيد من الادانة للشاعر السياسي السوري الابرز.. او حتى اذا ما تورطت المدينة بالمشاركة الثقافية في ذلك النبش العميق في هوية أدونيس وهواه المعروف.

المدينة اصبحت من الماضي، وكذا جامعتها الاولى، وأيضا ضيفها الشاعر الهرم، الذي لفت حضوره العابر، الانتباه الى حقيقة مؤلمة هي ان بيروت لن تكون شريكةً ولا شاهدة ولا حتى مضيفةً لأي بحث جدي حول مستقبل سوريا، مثلما هي حال إسطنبول او الرياض او القاهرة او الدوحة او عمان.