ظهر اختلاف في أولويات وفدي «الهيئة التفاوضية العليا» المعارضة من جهة، والحكومة السورية من جهة ثانية. إذ تركز المعارضة على تشكيل هيئة انتقالية كاملة الصلحيات مناصفة مع أعضاء من الحكومة من دون الرئيس بشار الأسد لصوغ دستور جديد مع استعدادها لمفاوضات مباشرة على طاولة مستطيلة، في مقابل اقتراح دمشق تشكيل حكومة على أساس المثالثة تضم موالين للنظام ومعارضين ومستقلين تحت الدستور الراهن ثم صوغ دستور جديد ودفعها للتفاوض على طاولة مستديرة، تتضمن أيضاً مستقلين وممثلي المجتمع المدني.

ويصل اليوم الوفد الحكومي برئاسة السفير بشار الجعفري إلى جنيف لعقد لقاء مع المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا الذي كان اجتمع أول أمس بوفد «الهيئة التفاوضية» برئاسة العميد أسعد الزعبي. وقال دي ميستورا إنه وضع المعارضة في أجواء جولته إلى موسكو وطهران ودمشق وعمان و «أشرت إلى أننا سنبحث تحديداً جدول الأعمال، أي الانتقال السياسي والحكم والدستور». وأضاف أن مسؤولي الدول التي زارها «أبدوا اهتمامهم ودعمهم التقدم في المناقشات السياسية الهادفة إلى انتقال سياسي، وكنت واضحاً للغاية مع كل منهم بأن ما نريده حالياً هو جدول أعمال قائم على الانتقال السياسي مع مسألة الحكم والدستور كما هو وارد في القرار الدولي 2254. ولم يعرب أي منهم في الواقع عن شكوكه حيال أولويات جدول الأعمال».

لكن مصادر مطلعة نقلت عن فريق دي ميستورا أنه أبلغ المعارضة بأنه في حال لم يجرِ تقدم خلال الجولة التفاوضية الحالية التي تستمر إلى 27 الشهر الجاري، فإن المفاوضات مهددة بالانهيار وسط الفجوة بين أولويات وفدي الحكومة والمعارضة. إذ إن الجعفري يحمل معه تعديلات ومقترحات لمناقشة ورقة المبادئ التي كان أعلنها المبعوث الدولي من 12 نقطة في ختام الجولة السابقة وسط اعتقاد ديبلوماسيين بأن الوفد سيركز على الحصول على دعم المعارضة لـ «الجيش السوري في معركته ضد الارهاب».

كما يحمل الوفد لمرحلة لاحقة في المفاوضات، مفهومه لـ «الانتقال السياسي» الذي عبر عنه الاسد، بالقول إن الحديث عن هيئة انتقالية بصلاحيات كاملة «غير منطقي وغير دستوري» وإن الانتقال يكون من دستور إلى اخر، مقترحاً تشكيل حكومة تضم موالين ومعارضين ومستقلين وفق مبدأ المثالثة، انطلاقاً من الدستور الحالي للعام 2012، ثم تقوم هذه الحكومة بصوغ دستور جديد وفق البرنامج الوارد في القرار 2254 ونص على تشكيل «حكم» ثم صوغ دستور وإجراء انتخابات، لاعتقاد دمشق بضرورة «عدم حصول فراغ دستوري وسياسي».

وبدا أن موسكو قريبة إلى هذا الموقف، إذ إنها أقنعت واشنطن بضرورة العمل على دستور جديد وأبدت مرونةً بقبول «إعلان مبادئ دستورية» وتشكيل حكومة تضم موالين ومعارضين مع تفويض الأمم المتحدة بتعيين المستقلين بحيث يكونون الكفة الراجحة في القرارات. كما ظهر أن فريق دي ميستورا مقتنع بمقاربة الحل الوسط القائم على التوازي بين مساري التفاوض على تشكيل الحكم الجديد وصوغ الدستور.

في المقابل، لم تعد «الهيئة التفاوضية» متحمسة لفكرة تقديم أجوبة عن الأسئلة الـ 29 التي كان دي ميستورا قدمها في الجولة الماضية مع أن أعضاء فيها كانوا أعدوا مسودة الإجابة، وهي تفضل حالياً التزام ورقة المبادئ التي سلمتها إلى المبعوث الدولي في الجولة السابقة وضمت 13 نقطة. وأظهرت وثيقة «الهيئة»، التي حصلت «الحياة» على نسخة منها أنه «طبقاً لقرار مجلس الأمن 2254، فإن الانتقال السياسي يبدأ في تشكيل هيئة حكم انتقالي تمارس كامل السلطات التنفيذية، على ألا يكون للأسد وأركان نظامه وجميع من تلطخت أيديهم بدماء السوريين دور فيها، من بدء المرحلة الانتقالية وذلك خلال ستة أشهر من تاريخ بدء العملية السياسية». وطلبت «الهيئة» في وثيقتها بـ «إعادة هيكلة وتشكيل المؤسسات العسكرية والأمنية»، إضافة إلى مطالبتها بـ «إخراج كافة المقاتلين غير السوريين من ميليشيات طائفية وجماعات مرتزقة، وقوات تابعة لدول خارجية من الأراضي السورية» وأن «تلتزم السلطات جميعاً في المرحلة الانتقالية وما بعدها بضمان حماية المدنيين من كل أنواع العنف أو التعسف أو الانتهاك بأي شكل من الأشكال، وفقاً لأحكام القانون الدولي والإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان».

وبدا أن المعارضة تفضل مبدأ المناصفة في المشاركة لتشكيل الهيئة الانتقالية. ونقلت «رويترز» عن الناطق باسم «الهيئة» سالم مسلط أنها مستعدة لـ «المشاركة في هيئة حكم انتقالي مع أعضاء حاليين من الحكومة الحالية لكن ليس الأسد نفسه». وأضاف أن «الهيئة» لن تعترض طالما لن يرسلوا «مجرمين». ويعني هذا أن «الهيئة» تريد تشكيل «هيئة انتقالية» من الطرفين ثم تقوم بصوغ دستور جديد للمرحلة الانتقالية تنتهي بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بإدارة وإشراف الأمم المتحدة، لاعتقاد بأن اقتراح دمشق يؤدي إلى «إعادة إنتاج النظام».

وكان الاسد، الذي تنتهي ولايته في العام 2021، وافق في مقابلة مع وسائل إعلام روسية على انتخابات رئاسية مبكرة إذا توافرت الإرادة الشعبية، ما عكس تغييراً في موقف دمشق التي كانت مستعدة فقط لانتخابات برلمانية مبكرة وإلغاء البرلمان الجديد، الذي بدأت أمس عمليات فرز أصوات المقترعين له، في حال حصل توافق مع المعارضة في مفاوضات جنيف.

وإلى الاختلاف على «المناصفة» الذي تريده «الهيئة» و «المثالثة» الذي تريده دمشق، هناك اختلاف آخر يتعلق بطاولة المفاوضات لدى انتقالها إلى مفاوضات مباشرة. إذ إن دمشق تريد طاولة مستديرة تضم وفد الحكومة ووفود المعارضة والمجتمع المدني والنساء، في حين تتمسك «الهيئة» بطاولة مستطيلة وتتخوف من مساع من موسكو ودمشق لـ «تذويب» المعارضة بضم معارضين قريبين منهما. وكان لافتاً أمس، وصول وفد من معارضين كانوا زاروا القاعدة العسكرية الروسية في اللاذقية (مطار حميميم) غرب البلاد، إلى جنيف، في وقت حجز منظمو مفاوضات جنيف، لمجموعة موسكو في فندق ملاصق لمكان إقامة «الهيئة التفاوضية» بدلاً من مكان بعيد كما جرت العادة سابقاً.

وعقدت أمس، مجموعتا العمل المتعلقتان بالمساعدات الإنسانية والهدنة اجتماعين في جنيف. وبحسب المعلومات، فإن دولاً غربية لاحظت تراجعاً في التزام دمشق إزالة العراقيل لإدخال المساعدات إلى مناطق محاصرة بينها داريا ودوما وحرستا قرب دمشق، وزيادة في خروقات الهدنة.

وقال دي ميستورا لصحافيين عقب اجتماع مجموعة العمل التي تضم ممثلين عن 17 دولة بينهم الولايات المتحدة وروسيا: «لا يمكنني أن أنكر أن الجميع يشعر بخيبة الأمل وعدد كبير يشعر بالإحباط جراء النقص في إرسال قوافل مساعدات جديدة إلى المناطق المحاصرة». وأضاف: «حتى الآن لم نتمكن من الوصول إلى دوما وداريا وحرستا... علينا القيام بالمزيد من أجل الفوعة وكفريا (في ريف إدلب) والزبداني ومعضمية» الشام قرب دمشق.

وأعلن رئيس مجموعة العمل يان إيغلاند، أن تحقيق الهدف الذي أعلنته الأمم المتحدة بإيصال المساعدات إلى أكثر من مليون شخص محاصرين قبل نهاية الشهر لن يكون ممكناً إذا لم تبد الحكومة السورية تعاوناً أكبر.

ونقلت صفحة السفارة الأميركية في دمشق على موقع «فايسبوك» عن وزير الخارجية الاميركي جون كيري تأكيده لدي ميستورا في اتصال هاتفي أمس دعم بلاده «القوي تركيز المحادثات على الانتقال السياسي طبقاً لبيان جنيف لعام 2012 وقرار مجلس الأمن 2254 والتطلع الى استجابة الأطراف في شكل جدي وبطريقة بناءة» وأن كيري «عبر عن مخاوفنا الجدية في شأن القتال في مناطق عدة وجهود النظام لعرقلة وصول المساعدات الانسانية».

وكان الزعبي قال إن الحكومة «ارتكبت أكثر من 2000 انتهاك لوقف إطلاق النار وأسقطت 420 برميلاً متفجراً في الشهر الماضي».