أكثر من صحيفة فرنسية تساءلت عن سبب زيارة الرئيس هولاند لبيروت؛ إحداها ذكرت أنه إذا كان السبب بحث قضية النازحين السوريين، فإنّ الأمر لا يحتاج لأن يذهب بنفسه الى لبنان. ويتسرّب من باريس أنّ إحدى الصحف الفرنسية ستنشر مع اقتراب موعد الزيارة مقالة تؤكد فيها أنّ أسبابها غير واضحة. توجد داخل كواليس لبنانية في فرنسا، ثلاثة انطباعات عن الزيارة، اولها أنها عامة ولا تحمل أيّ جديد على مستوى دور فرنسي مساعد على إنهاء الشغور الرئاسي في لبنان. انقطع سياق محاولات قصر الإليزيه على هذا الصعيد عندما رفع الرئيس الإيراني حسن روحاني كتفيه علامة عدم الحماسة لسؤال هولاند له في لقائهما الأخير في باريس، عمّا إذا كانت طهران قادرة على دعم مبادرة الاتيان برئيس لبناني جديد. وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف همس لصحافي فرنسي: «قد نقوم بإعادة الاعتبار لترشيح فرنجية لكن ليس الآن». طهران تعتبر أنّ ترشيح فرنجية يضمر في داخله نوعاً من الـ»سين - سين» بعيداً من إيران. يصرّ ظريف في أحاديثه الباريسية الخاصة على أنّ فرنجية ذهب للقاء الرئيس سعد الحريري من دون تنسيق ذلك مع حزب الله. في هذا الوقت استمرّت المصادر الإيرانية في لبنان تكرّر طرحَ سؤالها الذي يستغرب عدم انتخاب النائب ميشال عون طالما أنه يحظى بنوع من الإجماع المسيحي؟ الإيرانيون ثابروا بعد زيارة روحاني لباريس على طرح السؤال بصيغة الاستغراب على محدّثيهم اللبنانيين: لماذا لا يتمّ انتخاب عون؟ ولكن قبل نحو أسبوعين وردت معلومة اخترقت هذا الجوّ الإيراني، وهي شاعت بقوة في كواليس سياسية لبنانية ودبلوماسية عربية في بيروت، وتحدّثت عن كلام مسؤول إيراني كبير ينصح فيه بأن يُبذل جهدٌ فاتيكاني لإقناع عون بالانسحاب لمرشح آخر. طهران اضطرت الى نفي هذه المعلومة التي كان أخرجها رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع الى العلن قبل أيام. ربما كان الأخير يضمر عبر الكشف عنها جسّ نبض مدى صدقيّتها. لكنّ مصادر ديبلوماسية خليجية ظلّت تؤكّد مضمونها حتى بعد نفي طهران الرسمي لها، غير أنها ساقتها ضمن رواية أُخرى لواقعتها أفادت أنّ مساعد وزير الخارجية الإيرانية أمير حسين عبداللهيان قال لوفد لبناني زار طهران أخيراً إنّ «المطلوب إقناع عون بالانسحاب»!!. والواقع أنّ الجهات التي ترصد زيارة هولاند للبنان من ثقب مسار الجهود الفرنسية للمساعدة على انتخاب رئيس جديد، تؤكد أنه لا يحمل معه أفكاراً عملية. فباريس بعد زيارة روحاني لها تأكدت أن لا الرياض ولا طهران في وارد توسيطها لإنتاج تفاهم بينهما في لبنان ينهي الشغور الرئاسي، ولو تحت سقف استمرار افتراقهما بخصوص قضايا المنطقة. الى ذلك إستبدلت باريس موقفها من قضية الشغور الرئاسي، وهي بعد فشلها في إنتاج دور وسيط لنفسها، قرّرت أن يصبح لها مرشح للرئاسة مع الأوروبيين الآخرين لا تتمسك به ولكنها تنصح بإنتخابه، تماماً كواشنطن التي لها مرشح تنصح به، وأيضاً «الحلقة اللبنانية» التي يُطلق عليها في بعض الدوائر الديبلوماسية العربية مصطلح «اللبنانيون الحقيقيون» كرئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط، إذ لهذه الحلقة مرشح مضمر تنصح به. ولكنّ كلّ هذه الترشيحات الثلاثة هي وجهات نظر أكثر منها مواقف ثابتة للجهات التي ترشحها. لكنّ كلّ هذه الجهات مفتوحة على تفاوض في أسماء مرشحين آخرين في حال نضجت ظروف فتح بازار الأخذ والرد الجدي حول «فخامة الرئيس» العتيد. الانطباع الثاني الموجود لدى المصادر اللبنانية في باريس عن زيارة هولاند لبيروت، يلحظ أنّ الرجل يأتي الى لبنان في إطار جولة له على دول أخرى (مصر والاردن)؛ وإدراج بيروت ضمن الجولة يؤكد معنى أنّ باريس ملتفتة الى حقيقة أنّ الوجود الأوروبي في قوة «اليونيفيل» والتي يشكل الفرنسيون والألمان عمودها الفقري، يعبر عن البقية القليلة المتبقية لنفوذ اوروبا في المشرق العربي ومجمل المنطقة. الفرنسيون سحبوا وجودهم من سوريا منذ أيام الرئيس جاك شيراك الذي انتقم من الرئيس بشار الاسد كما يقول السوريون عشية العام 2005 لانقلاب الأخير على تفاهمات اقتصادية عميقة معه. كما أنّ باريس تشهد منذ سنوات انسحابَ مصالحها من أفريقيا لمصلحة الأميركيين؛ وهي لا تريد حدوث الأمر نفسه معها في المشرق. ولبنان الذي يستضيف الدور الاوروبي ضمن القرار 1701، يبقى منصّة أساسية ومتبقّية لدورٍ مقبلٍ للاوروبيين عندما يحين موعد التسويات المؤجّلة لأزمات المنطقة. ثمّة واقعة تؤشر الى هذا المعنى الذي تريد باريس الحفاظ عليه وإدّخاره لمستقبلها في المنطقة. حينما زار الرئيس ميشال سليمان في أوّل عهده البيت الأبيض قال له الرئيس باراك أوباما: «المطلوب حماية دور اليونيفيل في جنوب لبنان، ليس فقط من أجل القرار 1701، بل لأنّ هذه التجربة ستكون لها تطبيقات مشابهة في الحلول النهائية لمشكلات المنطقة». الانطباع الثالث عن زيارة هولاند للمنطقة يدرجها ضمن خانة أنها جولته الرئاسية الأخيرة على دول المشرق خلال الفترة المتّصفة بأنها «ربع الساعة الأخيرة» من عهده. واستدراكاً فإنّ هولاند يريد القول إنه موجود دولياً، وهو على عادة ما بات تقليداً عند الإليزيه سيحاول خلال وجوده في الأردن التذكير بدور باريس في تسوية النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، عبر التذكير بالمبادرة الفرنسية لحلّ القضية الفلسطينية. صحيح أنّ باريس تكتشف عند كلّ محاولة أنّ واشنطن لا تترك لها فرصة مشاركة فعلية في هذا الملف، ولكنها مع ذلك تكرّر التذكير بدورها على جبهة المساعي لحلّ القضية الفلسطينية، وذلك على نحو يبقى حضورها المعنوي موجوداً داخل خيط دورها، هذا الملف المركزي في الشرق الأوسط. يبقى أمر رابع للزيارة، وقد يكون هو سببها الوحيد المفهوم فرنسياً وأوروبياً، ويتعلق بالنازحين السوريين في لبنان وخلق ظروف تثبت بقاءهم فيه وعدم تسرّبهم منه الى أوروبا. سيكرّر هولاند تأكيد أهمية أن يلتحق لبنان بدولتي الجوار السوري اللتين تتشاركان معه في تحمّل أعباء النزوح السوري، أي الأردن وتركيا، وذلك لجهة أن يستجيب هو أيضاً لموجبات الرؤية الأوروبية الجديدة لمقاربة النزوح السوري. ومعروف أنّ الأردن أصدر منذ ايام بطاقات إجازات عمل للنازحين الموجودين على أرضه معفاة من الضريبة المفروضة على إجازات العمل وذلك تلبية لمطالب الاوروبيين، كما أنّ تركيا وقعت خلال هذا الشهر اتفاقاً مع الاتحاد الاوروبي لتبادل المهاجرين، وبموجبه تعيد دول أوروبا الى تركيا النازحين الذين وصلوا اليها من الاراضي التركية عشوائياً، فيما انقرة ترسل الى اوروبا في مقابلهم وبأعدادهم نفسها نازحين تتطابق مواصفاتهم مع مزايا خاصة تضعها أوروبا للنازح الذي ترغب بإيوائه. وأيضاً مطلوب من لبنان أن يغيّر تعامله مع النازح السوري لمصلحة اعتباره لاجئاً له حقوق عمل وطبابة وتعليم، وأيضاً أن يوافق على صرف المساعدات الدولية للنازحين لمصلحة إنشاء دورة اقتصادية منتجة لهم، وتزويد النازحين بطاقات إقامة عمل من الأمن العام تجعل النازح السوري قادراً إذا رغب على السفر وتسجيل ولاداته أو حالات زواجه من لبنانيات، الخ... وكلّ ذلك يهدف الى إكمال المسعى الأوروبي الاستراتيجي الراهن الى جعل النازح السوري في دول جوار سوريا يتمتع بامتيازات تحول دون تفكيره باللجوء الى أوروبا. حتى الآن لا يزال لبنان يتلكّأ في المضي بتطبيقات الرؤية الأوروبية الجديدة المدعومة دولياً حول طريقة التعامل مع النازح السوري والتي بدأ تطبيقها في الأردن وتركيا مقابل حصول هاتين الدولتين على مكاسب مالية واقتصادية. وسيكون استئناف المساعدات المالية للبنان لإعانته على إيواء النازحين وإعطائه ميزات اقتصادية أخرى، مرهوناً بقبوله برؤية أوروبا الجديدة لهذا الملف. هل يحمل معه هولاند اقتراحات عن مزايا اقتصادية أوروبية جديدة للبنان لإغرائه على الالتحاق بتركيا والأردن في إعانة أوروبا على حلّ مشكلة النزوح اليها عبر تثبيتهم في دول الجوار؟