منذ آخر مرة ظهرت فيها سجى الدليمي في عرسال خلال تنفيذ عمليّة التبادل بين الدولة اللبنانيّة و «جبهة النّصرة»، ابتعدت زوجة «خليفة المسلمين» عن الأضواء.

 

آثرت أن تبقى مع زوجها المخلى سبيله الفلسطيني كمال خلف وأولادها الأربعة في منزل ناءٍ، لا يعرف عنوانه إلا قلة. هي لا تريد شيئاً من لبنان، بحسب ما تردّد، بل تريد حلّاً لوضعها القانوني. إذ أنّ جلّ ما تفعله في هذه الأيّام هو إنهاء أوراقها بقصد تقديمها إلى إحدى السّفارات الأوروبيّة بهدف الهجرة، بعد أن أزالت السّلطات اللبنانيّة منع السفر عن جواز سفرها.

 

ولكنّ ابنة الثلاثين عاماً، لا تريد أن تترك لبنان هي وزوجها وبحقهما حكم غيابي صادر عن المحكمة العسكريّة بتهمة «الانتماء إلى تنظيم إرهابيّ مسلّح بقصد القيام بأعمال إرهابيّة وتزوير وثائق لهما ولأولادهما عبر الفلسطيني الموقوف لؤي المصري، مع علمهم بالأمر».

 

ولذلك، تركت الدليمي ابنها يوسف ذا الأشهر التسعة وهو يعاني من رشح وحرارة في المنزل. وطلبت من أحد جيرانها أن يوصلها مع زوجها إلى مقرّ المحكمة العسكريّة، الذي وصلته منذ الصّباح الباكر.. وأن ينتظر خروجهما.

 

هكذا، دخلت «أم عمر» إلى المحكمة بعباءة سوداء واضعةً على كتفيها شالاً بلون جلد النمر وبحذاء رياضي، بعد أن تمّ إخضاعها لتفتيش دقيق في ظلّ إجراءات أمنيّة مشدّدة.

 

أنهت الدليمي ما طلب منها وسلّمت كيساً مليئاً بالأدوية عند الباب، كما تجري العادة مع سائر المدّعى عليهم (ثم استردّته عند خروجها). وسارت نحو قاعة المحكمة حاملةً شارة «مدعّى عليه»، ليتمّ إجلاسها على المقعد الأوّل مع عدد من النّساء المدّعى عليهنّ في تهمٍ آخر، فيما جلس زوجها في المقعد الأخير على يسار القاعة.

 

وما إن دخل رئيس «العسكريّة» العميد الرّكن الطيّار خليل ابراهيم، حتى انفرجت أساريرها، ليقترب بعدها وكيل الدّفاع عنها المحامي حنّا جعجع منه طالباً تقريب موعد الجلسة التي تحمل الرقم 89 لأنّها «مؤجّلة» كي لا تنتظر طليقة أبو بكر البغدادي موعد جلستها عند الليل، فوافق ابراهيم على ذلك.

 

وبرغم أنّ الدليمي لا تريد شيئاً إلّا إنهاء ملفّها القضائي، غير أنّ الجلسة انتهت بأقلّ من 5 دقائق لم يسمع فيها صوت طليقة البغدادي. إذ أنّ المحامي نفسه الذي يعد بإنهاء الملفّ بأسرع ما يمكن، طلب إرجاء الجلسة لاطلاعه على الملفّ ولا سيما بما خصّ تهمة التزوير، فيما تقدّم وكيل الدّفاع عن لؤي المصري بطلب إخلاء سبيل، وتمّ إرجاء الجلسة إلى 25 تمّوز المقبل.

 

وهذا ما يطرح العديد من الأسئلة عمّا إذا كان قد نمي إلى جعجع بضرورة إطالة أمد بقاء الدليمي في لبنان كورقة يمكن استخدامها يوماً في ملفّ التفاوض مع تنظيم «داعش»، أو أنّ الدليمي نفسها لا تريد إصدار الحكم بحقّها في المدى المنظور رغم تأكيدها أنّها تريد مغادرة الأراضي اللبنانيّة إلى أي بلد أوروبي؟

 

ومع أنّ الجلسة انتهت قبل السّاعة الـ10 و45 دقيقة، إلا أنّ والدة ابنة البغدادي انتظرت أكثر من ثلاث ساعات داخل القاعة وهي تحدّق بالأعين الكثيرة التي كانت تتأملها، وقد بدت على وجهها آثار التّعب والشحوب أكثر ممّا كان عليه إبّان توقيفها، لتيأس بعد ذلك وتقرّر إخراج جواز سفرها العراقي من حقيبتها لتقلّب في أوراقه.

 

كلّما دخل وكيل الدّفاع عنها وخرج، تسأله بعيون حزينة إذا ما انتهت الإجراءات ليجيبها بأنّه عليها الانتظار قليلاً. وبعد حوالي السّاعة ونصف السّاعة، ظنّ جعجع أنّ هناك عمليّة مبيّتة لإبقاء الدليمي موقوفةً في المحكمة بعدما تبيّن ورود عقوبة مسلكيّة داخل السّجن على النشرة الخاصة بها.

 

وبعد الكثير من الأخذ والردّ، دخلت فيهما الدليمي وخرجت من قاعة المحكمة عبر المدخل الخاص بالموقوفين، دفع جعجع الغرامة التي بلغت 310 آلاف ليرة لبنانيّة، وانتظر إلى أن خرجت طليقة البغدادي من باب المحكمة، كسائر المدّعى عليهم المخلى سبيلهم.

   

وما إن استلمت أغراضها غطّت الدليمي وجهها بمنديلها الأسود وتركته مفتوحاً عند عينيها. العديد من الصحافيين أحاطوا بالمرأة الخارجة لأوّل مرة من باب المحكمة، والكثير من الأسئلة التي لم تجب عليها، متوجّهةً إلى الرصيف المقابل حيث كاميرا قناة الـ «أم. تي. في».

 

في البداية، ارتعدت ابنة الثلاثين عاماً من فكرة إجراء المقابلة، عبّرت عن ذلك للصحافي الذي انتظرها لساعات، إلا أنّ جعجع حاول إقناعها بضرورة القيام بذلك. دقائق من الريبة والارتباك لشخص يرفض أن يتفوّه باسم البغدادي، انتهت بأن اقترب الميكروفون من فمها.. وتحدثّت طليقة «أمير المؤمنين».

 

هل حارب «الحر» في عرسال؟

 

وفي «العسكريّة» أيضاً، استجوب العميد ابراهيم 3 من أصل 12 موقوفاً مدّعى عليهم بجرم الانتماء إلى تنظيم «داعش» والقتال المسلّح ضدّ الجيش وقتل ومحاولة قتل ضباطه وجنوده، ملاحظاً تمتّعهم جميعهم بأجساد رياضيّة ولياقة بدنيّة تخوّلهم القتال.

 

وكان قد تمّ إلقاء القبض على الموقوفين منذ أكثر من عام لدى دخولهم إلى الأراضي اللبنانية، ليتبيّن أنّهم ينتمون إلى «مغاوير القصير» التابعة لعرابة إدريس، وليؤكّد بعضهم خلال التحقيق الأوّلي الذي جرى معهم على مرحلتين، في «فرع المعلومات» ولدى الجيش، أنّهم قاتلوا إلى جانب «داعش» في معركة عرسال كظهير داعم للمحاربين في الخطّ الثاني بعدما خيّرهم التنظيم بين البقاء في عرسال وجرودها أو اعتبارهم كفّاراً.

 

وروى أحد الموقوفين كيف خطف ادريس عدداً من العسكريين واحتجزهم في أمكنة سريّة وتحت عين «أبو همام» قبل أن يتمّ تسليمهم إلى «داعش».

 

وأثناء استجوابهم، أمس، تراجع الموقوفون الثلاثة عن إفاداتهم الاولية، نافين بذلك اشتراك «الجيش السوريّ الحر» في معارك عرسال، مشيرين إلى أن ادريس أدخلهم إلى لبنان بنيّة تهريبهم إلى عرسال بقصد زواج بعضهم أو إكمال دراسة البعض الآخر!

 

وقد أرجئت الجلسة إلى 13 حزيران المقبل لاستكمال الاستجواب.