هذه "لحظة" تستطيع البورجوازية اللبنانية، بل عليها، أن تحدِّد "المصالح العليا" للبنان في المرحلة الآتية. المصالح الاقتصادية العليا. تستطيع أن تحدِّد ولو أنها طبعا وحتما لا تستطيع أن تقرّر بسبب طبيعة النظام السياسي اللبناني الذي يجعلها تابعة لمراكز القوى السياسية الملحَقة بمراكز القوى الإقليمية والدولية.

البورجوازية اللبنانية... أعني ذلك الخليط من المصرفيين ورجال الأعمال وكبار التجار وأصحاب الوكالات. هذه البورجوازية، العاجزة تقليديا على المستوى السياسي في الأزمات الكبرى، مطالَبَةٌ أو هي مُلزَمةٌ في هذه "اللحظة" الشرق أوسطية التي صنع انعطافَتَها الاتفاقُ النووي أن تحدد المصلحة العليا اللبنانية، بطرح الأسئلة التالية عملا بالقاعدة التي تقول: السؤال الصحيح بدايةُ أو أساسُ الجوابِ الصحيح. السؤال الأول: هل هذه "اللحظة" تُشكِّل فرصةً لتجديد دور الخدمات اللبناني كمركز مزدهر في المنطقة وبأي اتجاه؟ نظريا كان لبنان عام 1974 في ذروة أهليته للمشاركة الضخمة في هَبّةِ البترودولار النفطية ضمن دوره كمركز خدمات مالية واستشفائية وتعليمية وثقافية وسياحية وتسليحيّة ولكنّ القطاع الخدماتي السياسي انتصر على القطاع الاقتصادي بسبب موجة المقاومة الفلسطينية وصارت العائدات السياسية غزيرة ماليا وقامت بالتالي معادلة: الدور السياسي عبر الحرب الأهلية والدمار. واتفق طرفا الحرب الأهلية الميدانيان، الفلسطيني والمسيحي على إخضاع المالي للأمني والسياسي فتحوّلت الفنادق الكبرى إلى جبهات عسكرية. ( يجب تنظيم جولات سياحية لتلامذة المدارس في لبنان إلى منطقة الفنادق الكبيرة ليشاهد هؤلاء كيف أن غير المتوقّع حصل: الفينيسيا والسان جورج والهوليداي إن وبعضها لا يزال محترقا). ليس مُهِمّاً المنطقُ هنا، والبورجوازية المحلية اللبنانية كانت يومها تحت السيطرة المسيحية عددا و نفوذا وإمكانات. التاريخ لا يصنعه المنطق بل عواصف القوى. مات الدور اللبناني الخدماتي السلمي عام 1975 ليحل محله دورٌ خدماتيٌّ حربيٌ قدّر العميد ريمون إده يومها (1978) "اقتصاده" السياسي، أي ما يُضخّ لأجل الحرب من خارج البلد إلى البلد بثمانماية مليون ليرة لبنانية شهريّاً. أي أكثر من أربعماية مليون دولار شهريا بدولار تلك الأيام. كانت الأحزاب المسيحية، بالمناسبة، في تلك الأيام هي الأفقر قياسا بالرخاء الثوري البترودولاري المسلم. السؤال الأول إذن هو: هل سيحصل مع لبنان ما حصل في السبعينات فيقضي الصراع السياسي على الدور الخدماتي المهيّأ اليوم والمستعد في المجال المصرفي والاستشفائي والجامعي والسياحي الشرعي وغير الشرعي والثقافي والإعلامي والديني والمذهبي لكي يستقبل التحولات الاستراتيجية كبلد خدمات؟ وهو الذي بدأ أصلا هذا الدور كـ "سويسرا حروب المنطقة" مع انفجار "الربيع العربي" وقبل ذلك مع سقوط طبقة عراقية قديمة هرّبتْ أموالَها وقيامِ طبقة عراقية جديدة سيطرت على الثروات العراقية وتَنْقُلُها سياحيا وعقاريا وفقهيا وتكفيريا واستشفائيا (يبدو مستشفى الجامعة الأميركية قي بيروت مستشفى عراقيا في السنوات الأخيرة، لَكْنَةً ومصالح) إلى بيروت و تتركّز استثماريا وتجاريا وسياسيا في أربيل بزخم حتى سيطرة "داعش" على الموصل، وأقل حيوية بعد السيطرة. فَعَلَتْ صدمةُ "داعش" في أربيل مثلما فَعَلتْ صدمةُ صدام حسين بالكويت من حيث تركُها ندوبا لا تزول آثارها في الجسد و"الروح" الكويتيَّتيْن حتى بعد أن تجاوزتها الكويت؟ الاتفاق النووي نقل المنطقة باتجاه عميق جديد. لذلك السؤال الثاني هو: ما حجم الكتلة النقدية والاستثمارية الضخمة التي عادت تحلِّق في سماء المنطقة بين طهران واسطنبول وتل أبيب وباريس ولندن وفرنكفورت ونيويورك وموسكو ودبي والرياض ومومباي وبكين والأهم كيف ستتجه هذه "الكتلة" في الاستثمارات والودائع والنفط وأي علاقة متفاعلة أو متصارعة أو متعاونة، ستنشأ بين البترودولار التقليدي وبين "التكنودولار" الإسرائيلي التركي الإيراني ؟ السؤال الثالث: ما صلة القابليات الخدماتية للدور اللبناني "الجديد" بمرحلة لم يعد فيها الصراع العربي الإسرائيلي هو محور المنطقة وبدأت فيها إيران بالتحضير للخروج من هذا الصراع، بل خرجت، بعد الاتفاق النووي؟ الصراع العربي الإسرائيلي أحيا الدور الخدماتي اللبناني في الخمسينات والستينات من القرن العشرين ثم عاد ودمّر لبنان بعد العام 1967. فهل سيؤدي تغيير الدور الإيراني وانخراط إيران في النظام الدولي إلى تجديد دور لبنان الخدماتي وتعزيزه، أم سيؤدي واقعيا وليس منطقيا إلى تدميره مرة أخرى؟ الجواب معلّق. وأول أكبر المقرِّرين هو واشنطن، ومعها طبعاً، كي نتذكّر، دائما نادي الدول الخمس الكبرى التي شاركت في الاتفاق النووي. السؤال الرابع في ما يتعلّق بلبنان خدماتٍ وصناعةً وزراعة: أي دور في سوريا الجديدة حربيا في المرحلة الانتقالية واقتصاديا في المدى السلمي الأبعد مع العلم أن البورجوازية اللبنانية كانت خبيثة وشاطرة كعادتها في الاستفادة ضمناً من الثروات المقيمة والعابرة من "الشام" إلينا ومن القوى العاملة الرخيصة جدا التي نزحت منها وفي الوقت نفسه الشكوى علناً من "خطرها الوجودي"؟ مع الاعتراف الضروري أن حجم الضغط الديموغرافي لا سابقة له في لبنان. هذه أسئلة يتوقّف عليها الكثير: تكرار تدمير الدور الاقتصادي الخدماتي أم تجديده في آفاق جديدة تحافظ على مكتسبات القديم وتفتحه على الآفاق الجديدة؟ راهَنَ رأسماليٌّ كبيرٌ غير عادي في التسعينات من القرن الماضي على ازدهار لبنان بعد تسوية الموضوع الفلسطيني. لكن هذه التسوية لم تحدث، فتجمّد الدور اللبناني... أما التسوية الإيرانية الأميركية فحدثت! الأعجوبة الأولى لم تحدث، الأعجوبة الثانية حدثت. ولهذا سماء المنطقة تمتلئ بالطائرات القاذفة والرساميل المقذوفة. فعلى من نراهن؟ ومن سيراهن؟ وهل وُلِد جيلٌ رؤيوي في البورجوازية اللبنانية من عيار إميل البستاني؟ ولكن بكفاءات القرن الـ 21؟