لا يختلف إثنان في لبنان على أن ما حصل الإثنين من ترشيح للجنرال عون من قبل خصمه اللدود الدكتور جعجع كان صدمة ومفاجئة للكثيرين. لم يكن خبر الترشيح هو الاول فقد كثرت الاقاويل عنه بعد ترشيح الرئيس الحريري للوزير السابق سليمان فرنجية للرئاسة الأولى. لكن الصدمة هي الجدية والذهاب إلى البعيد وتحويل الاقاويل الى افعال.

نعم، لقد فعلها سمير جعجع وأجاد. سمير جعجع ومنذ خروجه من السجن يمارس السياسة بمثالية أقرب إلى الخيال بعيدة عن أي واقعية.

الرجل متصالح مع نفسه ومع المبادىء التي يؤمن بها، وخسر الكثير من وراء هذه المثالية في لعبة السياسة اللبنانية التي لا تعترف بمثاليات.

وعلى الضفة الثانية، كان ميشال عون يحقق مكاسب تلو الاخرى من حصص وزارية ونيابية وادوار تعطيلية مارسها مستفيدا من تحالف اقامه مع حزب الله.

كان ميشال عون واقعيا ومتطرفا في الواقعية إلى درجة انه اصيب ببعض النكسات. لكنه استمر وعطل جهاز الدولة لمصلحته الخاصة. كان من الطبيعي ان يتنافس اقوى ممثلان للموارنة في لبنان والشرق على المركز الاول، فتاريخ الطرفان مليء بالدم والحروب والتنافس والتخبط والعداوة وكل شيء إلا ان ما لا يفهمه البعض وخصوصا من الجمهور اللبناني كافة أن لعبة الدم يدفع ثمنها الفقراء ولعبة المصالح يقبض ثمنها الكبار، فلا سياسة من دون مصالح، هذه حتمية وحقيقة حان الآوان للشعب أن يدركها ويعرفها.

ولكن هذا التاريخ الحافل من الصراع بين عون وجعجع لم يجعلهما ليوم من الأيام أن ينسيا أنهما آثار لحقبة المارونية السياسية. فكلاهما ولدا من رحم المارونية السياسية ولهذا أثر واقع في خطاب كلا الطرفين. هذا الأثر كان له الدور البارز في رفض كلاهما للمرشح سليمان فرنجية.

فرنجية بعكسهما تماما، لم يتبن يوما أدبيات المارونية السياسية ومتصالح مع إتفاق الطائف وجزء من منظومة المحاصصة في البلاد وله إنتماء عربي واضح ووصوله إلى المركز الأول يعني تهديد وجودي لعون وجعجع. فلا شيء يمكن ان يجمع عون وجعجع في هذه الظروف إلا منع وصول سليمان فرنجية إلى الرئاسة. لقد فهم جعجع الرسالة جيدا عندما تم ترشيح فرنجية وتلقفها عون أيضا وحاربها إعلاميا وحتى أخلاقيا. لكن هل يمتلك كلا الطرفان تلك المساحة الواسعة من المناورة؟ ربما نعم لإنشغال العالم بهمومه وشبه نسيانه للبنان. فنحن نعيش في وقت البدل الضائع ويستطيع الجميع ان يصرح ويمارس وحتى أن يهذي فلا مظلة مراقبة حاليا.

جعجع يعشق دور صناعة الملوك والزعامات فترشيحه لعون أظهره بدور الزعيم المسيحي الأول صانع الرئاسات.ولكن سؤال آخر يطرح.

 هل يذهب جعجع بعيدا في ترشيح عون؟ ربما الاجابة الآن تكون مبكرة ولكن من يعرف جعجع يدرك أنه لا يطيق عون ولا يهضمه فقد تكون مناورة منه هي الأخرى. فبين عون و فرنجية جعجع مع عون وبين أن يكون ترشيح عون عامل تعطيل لوصول فرنجية ولوصول عون أيضا من أجل مرشح آخر توافقي أو الذهاب بعيدا مع عون، جعجع سيكون مع المرشح التوافقي.

لعبة عض أصابع ودقيقة جدا يمارسها جعجع ويستغلها عون لإحراج القريب قبل البعيد.

هذا القريب ومنهم حركة أمل ترفض وصول عون للرئاسة، فالرئيس بري لا يهضم عون هو الآخر وأشارت أوساطه إلى أنه مع فرنجية ترشح او تراجع ولا احد سيغير رأيه حتى لو كان حليفه حزب الله. بري يمارس لعبة من نوع آخر، لعبة الوقت القاتل والصراع المسيحي المسيحي وفرنجية يقابله بموقف واضح من بكركي أنه مستمر بالترشيح إلى النهاية. فرنجية لن ينسى طعنة الظهر من قبل عون.

أما المستقبل فمستمر مع فرنجية، فهو كما قلنا سابقا متصالح مع إتفاق الطائف بغض النظر عن علاقته مع النظام السوري المنهار.

أما جنبلاط فمستمر مع فرنجية إذا إستمر فرنجية أيضا بالترشح. أما حزب الله فموقفه ظاهريا مع عون.

لكن هل هو مع عون الذي رشحه جعجع؟ صياغتان تختلفان بالإجابة والتحليل.

فموقف الحزب لا يحسد عليه ولذلك يطمح بإطالة الفراغ الرئاسي لكي لا يخسر حليفين مسيحيين كعون وفرنجية. فترشيح 14 آذار لقطبين من 8 آذار وفي فترة زمانية صغيرة قصمت ظهر 8 آذار وهي من أكبر الضربات التي تتلقاها منذ قيامها ام 14 آذار فهي متخبطة وتضرب بالمندل فأصابت هذه المرة لكنها منقسمة.

لذلك أمام ضبابية الترشيح القواتي لعون، نحن أمام إنهيار منظومتي 8 و 14 آذار بشكل جدي ولعبة فردية حزبية بعيدا عن كلا تلك المنظومتين.

أرى في هذا المشهد الضبابي كما هو أن صوت الرئيس بري هو الحاسم اذا انحسرت المواجهة بين عون وفرنجية والخيار الأفضل والأقرب هو فرنجية فقلب بري مع فرنجية أما عقله فهو مع فرنجية أيضا إلى أن يشاء الله غير ذلك. فهل نحن أمام لعبة أسماء وغربلة مرشحين؟ الأيام ستكشف وتوضح وتزيل الضبابية.