منذ اللحظة الأولى لإسقاط طائرة الـ«سوخوي» الروسية، توعد الإعلام الروسي وعدد من كبار المسؤولين الروس برد قاسٍ من الرئيس، فحبس العالم أنفاسه بانتظار أولى خطوات فلاديمير بوتين العقابية بحق الأتراك، خاصة بعدما أشيع عن أن سيد الكرملين مستفز لأبعد الحدود، وهو منكب مع أركان قيادته في التخطيط للرد المناسب على الخطيئة التركية، فليس من السهل على القيادة الروسية وهي في قمة جبروتها، استيعاب صدمة تجرؤ دولة إقليمية على تسديد صفعة لدولة كبرى مثل روسيا تحمل إرث دولة عظمى.

بينما كان الرأي العام الروسي منشغلاً برفض زعيمه الرد على اتصال الرئيس التركي، منتشيًا بإصرار قيادته على الاعتذار أولاً، غامزًا من قناة التصريحات التركية المترددة وغير الراغبة في التصعيد والمتناقضة في حدتها، جاءت حزمة العقوبات التي أمر بوتين حكومته باتخاذها أقل من المتوقع، فقد أعلنت وزارة الطاقة بعد حادثة الـ«سوخوي» أن صادرات الغاز والنفط إلى تركيا «لن تتوقف»، ولم يتم التطرق لمشروع «ترك ستريم» لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر تركيا، ومشروع المحطة النووية للطاقة السلمية التي تبنيها روسيا في تركيا بقيمة بلغت 20 مليار دولار، فالمفاجأة أن العقوبات اقتصرت على إجراءات تجارية تعادل 10 في المائة فقط من حجم التبادل التجاري بين البلدين، الذي تصل قيمته إلى 40 مليار دولار، فاكتفت موسكو مثلا بإعلان قائمة من المنتجات الزراعية التركية التي لا تتطابق مع المعايير الروسية، كما قامت بوقف المعاملة التفضيلية للصادرات التركية على المنافذ الحدودية، وتشديد القيود على رجال الأعمال الأتراك وتقليص حصتهم في المشاريع الإنشائية، وإصدار توصيات للمواطنين الروس بعدم قصد المنتجعات التركية، حيث يشكل السياح الروس نحو 13 في المائة من إجمالي الوافدين إلى تركيا، لكن غاب عن بالها أن هذا الإجراء لن يكون أداة ضغط مباشرة على تركيا، لأنه مرتبط بموسم الاصطياف، مغفلة الأضرار المترتبة على قطاع السياحة الروسي المنهك أصلاً، بسبب تراجع سعر صرف الروبل.

لقد أصبحت موسكو مجبرة على الدفع بمزيد من الرجال والعتاد إلى سوريا، وإدخال سلاحها الاستراتيجي في المعركة، فزودت قواعدها العسكرية في سوريا ببطاريات صواريخ «إس400» وزادت من طلعات قاذفاتها الاستراتيجية، كما قامت بإرسال قطع بحرية إضافية، ولم يعد خفيًا وجود قرابة 10 آلاف عسكري روسي في سوريا، الجزء الأكبر منهم مهمته تأمين القواعد العسكرية، من ضمنهم وحدات خاصة تقاتل إلى جانب ميليشيات الأسد، وهو ما سوف يزيد من أعباء الخزينة الروسية، المثقلة أصلاً بأزمات اقتصادية ومالية.

المفارقة أنه مع كل هذا الوجود والعتاد الروسي، والعمليات الانتقامية التي يتعرض لها الشمال السوري، وضرب قوافل الإمدادات الإنسانية وسقوط آلاف الأبرياء من السوريين، لن تستطيع موسكو الوقوف في وجه المنطقة الآمنة المزمع إنشاؤها قريبًا في شمال سوريا، والتي ستحظى بغطاء جوي من دول أعضاء في التحالف الدولي ضد «داعش»، يمنع تحليق الطائرات الروسية فوقها، مما سوف يؤدي إلى خسارة ميليشيات الأسد الغطاء الجوي الذي منحها والميليشيات الإيرانية تفوقًا ميدانيًا على قوات المعارضة في بعض الجبهات.

جرحت روسيا في سوريا مرتين؛ الأولى عندما لم تنجح في تحقيق انتصار سريع تقوي به موقفها التفاوضي في فيينا، والثانية عندما أسقط الأتراك القاذفة. هذان الأمران كفيلان بزيادة أوجاع روسيا. فبينما تعاني روسيا أوجاعًا ورثتها من إمبراطوريتين، أثبت ورثة الرجل المريض أن بلادهم تعافت كثيرا، وأن باستطاعتهم تغيير قواعد الاشتباك الإقليمي، والدفاع عن مصالح دولتهم الجيو - استراتيجية، حتى تلك المرتبطة بماضيها الإمبراطوري من حلب حتى جبل التركمان، وصولاً إلى الموصل، حيث أصبحت القضية السورية ثابتًا مشتركًا مع محيطهم العربي، جمعتهم في حلف الضرورة دفاعًا عن مصالحهم المشتركة.