هذا الميثاق، أين هو؟ مفارقة الدستور بعد التعديلات التي أدخلت عليه اثر الحرب، وفقاً لمندرجات «وثيقة الوفاق الوطني»، انّ ما يعتبره «ميثاقاً» في مقدّمته، وصولاً الى ربطه شرعية السلطة بميثاقيتها وليس فقط بدستوريتها، بحسب الفقرة «ي»، يعاد وضعه في خانة «الخطة المرحلية» و»المرحلة الانتقالية»، بحسب الفقرة «ح» والمادة 95. لنأخذ مثلاً مسألة المناصفة الإسلامية - المسيحية والتي باتت تعتبر في السنوات الماضية معيار «درجة ميثاقية» الشيء. الدستور نفسه، بعد تعديله، يمهر التوزيع بالتساوي للمقاعد بين المسيحيين والمسلمين بالطابع الموقت: «الى ان يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي». المادة 95 تذهب أبعد: تنيط بالمجلس المنتخب على أساس المناصفة أن يتجاوز نفسه بـ»اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية». أيضاً، في الفقرة «أ» من هذه المادة يربط تمثل الطوائف «بصورة عادلة في تشكيل الوزارة» بـ»المرحلة الانتقالية». دستور الطائف لا يقول اذاً بالمناصفة الدائمة. يقول بالمناصفة كشرط لإلغاء الطائفية السياسية من ناحية، ويقول بالمناصفة كمعيار عليه أن يتجاوز نفسه بنفسه. بقي اذاً أن نعرف من يتأوّل الآخر؟ هدفية إلغاء الطائفية السياسية أو معيار المناصفة؟ الدستور بحد ذاته أمكن تأوّله في الاتجاهين: فمن ناحية المناصفة شرط الميثاقية، ومن ناحية أخرى المناصفة لا تسوّغ الا كسبيل لتجاوز ذاتها. المناصفة الدائمة والأبدية غير واردة في متن الدستور، الا بحصر تجاوز المناصفة بإجازة من المناصفة ذاتها. ما حصل لاحقاً، ان قوى الرابع عشر من آذار خاضت استحقاق عام ألفين وتسعة النيابي باعتماد صيغة تركيبية تقول بـ»المناصفة الدائمة». على أساس من الالتقاء على هذا الشعار خيض آخر استحقاق تشريعي، وفاز فيه من رفعه، وضلّ فيه من لم يستطع أن يحوّله الى برنامج اصلاحي حقيقي للعلاقة بين المنضوين تحته أولاً. لكن الشعار نفسه تأويليّ بامتياز للدستور، ويترك المجال لـ»إدارة سوء تفاهم» بين من يتشارك في الشعار. طرف يعتبر أن صفة الديمومة تستتبع صفة الشمولية: المناصفة دائمة اذا كاملة. طرف يعتبر أنّه في مقابل أن تكون المناصفة دائمة عليها أن تكون «اعتبارية». هذا في حين أن الدستور يختلف عن هذين الرأيين بصريحه: المناصفة، بحسب مواده، حالة موقتة انتقالية، لكنها حالة كاملة. المفارقة الثانية في الدستور أنه يعتبر ان «لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك» لكن عليك بعد ذلك أن تعرف أين تجد هذا الميثاق. هل هو الطائف نفسه، أو مقدمة الدستور نفسها، أو الدستور ككل، أو المناصفة؟ دستورياً، رئيس الجمهورية يجب أن «يسهر على احترام الدستور». لا يؤتى على ذكر الميثاق هنا. هو يحلف «يمين الإخلاص للأمة والدستور». لا ذكر للميثاق أيضاً. الفقرة ياء نفسها حول «لا شرعية أي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك» مجهول أين تجد مفتاحها التنفيذي: أي من يمتلك صلاحية النطق باللاميثاقية واللاشرعية هنا؟ رئيس الجمهورية؟ رؤساء الطوائف الدينية؟ زعماء الكتل البرلمانية؟ انقلاب عسكري؟ أي مواطن؟الدستور المعدّل في مادته 19 سيقرّ انشاء مجلس لمراقبة دستورية القوانين «والبت في الطعون والنزاعات الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية» (واليوم ثمة نزاع فعلي على الانتخابات الرئاسية ليس بين المرشحين بل لأن الناخبين يعزفون عن الحضور، ولكن على من تقرأ المزامير؟). لكن ليس هناك هيئة للنظر في ميثاقية القوانين والقرارات، رغم ان ثمة فقرة «ياء» في الدستور تربط الشرعية بالميثاقية. هناك فقط جانب من الميثاقية يتولى النظر فيه المجلس الدستوري، حيث انه يتيح لـ»رؤساء الطوائف المعترف بها قانوناً» مراجعته «في ما يتعلق حصراً بالأحوال الشخصية، وحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، وحرية التعليم الديني.» دستورياً، هذه الأمور الأربعة هي الوحيدة الميثاقية المحدّدة ايجابياً، والمحدّد بشأنها الطرف المخوّل مراجعة هيئة محدّدة. أما المناصفة فهي إشكالية: دستورياً هي موقتة نظرياً، كاملة عملياً. سياسياً، من يرفع لواءها منقسم بين من يريدها «مناصفة دائمة ناجزة» وبين من يريدها «مناصفة دائمة اعتبارية«. قطعاً، ليس هناك مواثيق أبدية، لكن ميثاقاً وطنياً لا يبرم على قاعدة أنّه موقت أيضاً الا اذا كان المقصود به «الصلح القبلي» المحدّد بفترة. بل أدهى، يصير الموقت رأسمالاً رمزياً لشيء لن يتحقق (الغاء الطائفية)، لكنه يُحسَم باسمه ما هو معطى (التوزيع المتساوي) بشكل كامل. مفارقة تظهر كم أنّ مفهوم الميثاقية الموقتة ناقص ميثاقياً ولا دستوريّ الى حد بعيد. من جهة «الميثاق» هو «سوبرا دستور»، ومن جهة «الميثاق» مرحلي، وموقت!! هذه من تبعات ارساء فهمنا للميثاق والدستور على غير منظومة العقد الاجتماعي التي تنطلق من استحالة صياغة العلاقات بين الأفراد والمجموعات والمنظمات والمؤسسات بشكل ثابت ومسبق، وضرورة الانتباه في المقابل، الى ان الدساتير حين لا يجري تناولها من زاوية المعايير التعاقدية والعلائقية الناظمة لشروط اللعبة سواء كانت دستورية أو قانونية، ستتحول الى مساحة للتلاعب، والتعطيل، والتراشق.. بالميثاقية اللاميثاقية، والمجافية للفكر الدستوريّ برمّته.