مِن مسرح «مترو المدينة» في الحمرا إلى مسرح مهرجانات بيت الدين، انتقلَ العرض وانتقلت القصّة. تغيَّر المكان ولكنّ البُعد الفنّي والتاريخي بقيَ نفسه، وبقيَت معه نظرة المخرج هشام جابر لبيروت الثلاثينات.عن تلك الـ«بيروت»، انبسَطت الحكايات وأبدَع الأداء من خلال تاريخ «مسرح فاروق» الشهير الذي صَمد، تماماً مثل حاضنتِه، في وجه الانكسارات والحروب، ليبقى ذكرى وفكرة، أُعيدَت إليها الحياة في عرض «بار فاروق».وبعد 7 أشهر من التصميم والتدريب، أطلّت الفرقة المسرحية الغنائية في أمسيتِها الأولى الخميس أمام جمهور غصَّت به الباحة الداخلية من القصر، في إخراج مسرحي لم يقتصِر على خشبة المسرح، بل تعَدّاها إلى صفوف الجمهور الذي وُضِعت مقاعده الأولى حول طاولات، في جوّ يُحاكي أجواءَ الكاباريهات.جَلسنا في باحة قصر بيت الدين منتظرين اختراقَ ذاكرة الماضي، لنتجوّل في سراديبه البيروتية، مُقتادين من روّاد المسارح، العاملين في الكاباريهات، الزبائن وأصحاب دور العرض، الذين أدّت أدوارَهم مواهبُ شبابية انتقاها جابر من مسرحياته في «مترو المدينة»، مُقدّمين أداءً مُحترفاً أَنسانَا فِعلاً عبورَنا زمنَ الألفية الثالثة، وأعادَنا سنواتٍ إلى الزمن الماضي الجميل.قصّة «بار فاروق» جَسَّدتها شخصيات، أبرزُها زياد الأحمدية قائد الفرقة الموسيقية، بهاء ضو، أحمد الخطيب، بشّار فران، زياد جعفر، سَماح أبي المنى، وسام دلاتي، شنتال بيطار التي ترمز بشخصيتها وأزيائها إلى حقبة بيروت الأقدم، أي 1910، زياد عيتاني، بشارة عطالله، ياسمينا فايد بدَور مديرة الكاباريه ونجمته التي تَرمز إلى بيروت 1920، لينا سحّاب التي ترمز إلى حقبة 1940، بائعة الهوى التي لا تتكلّم إلّا اللغة الفرنسية متباهيةً على رندة مخّول التي لا تُجيد اللغات الأجنبية وتجَسّد حقبة 1930.البرجوازي، الشرطي الفرنسي، نساء الكاباريه والزبائن، نسَجوا حكاية هذا البار بأصواتهم وأدائهم وأغنياتهم التي ألّفَها جابر بحنكةٍ متوَجّهاً إلى أصحاب الشأن والمسؤولين، وخصوصاً سيّدات المجتمع والكاباريه اللواتي يغَنّين «نِحنا وقاعدين مِنَّجِّح وزير ومِنسَقّط سفير».ومع تطوّر أحداث العرض، اتّضَحت لنا أهمّية الموسيقى والأغنيات، حيث في كلّ منها قصّة عن بيروت، وبين كلماتها اكتشَفنا أسرارَها. ولم ينسَ جابر تكريمَ العمالقة الذين صَنعوا تاريخ بيروت الفنّي والموسيقي، مثل المغنّي والمونولوغ عمر الزعني، سامي الصيداوي، نجاح سلام، وداد وكهرمان.29 أغنية سمعناها على مدى ساعتين تقريباً، استعَدنا من خلالها أغاني بيروت الجميلة المزدهرة، من بينِها 5 أغنيات ألّفَها جابر والأحمدية مثل «تعى قرِّب تعى شوف»، «ستّات فاروق»، «القبَضاي»، «جسمك لبّيس» و«مشاريب».أمّا الأغاني القديمة التي أعادَتنا بعيداً في الذاكرة فمِنها «آه يا زين»، «حبّينا حبّينا»، «بحريّة يا ريّس»، إسأل عليّ الليل»، «يا ستّي يا ختيارة» للمغنّية طروب، و»برهوم حاكيني» للمطربة نجاح سلام، و«آه يا إم حَمادة» لمحمّد جمال.واتّخَذ العرض وتيرةً تصاعدية جَعلت معظمَ الحاضرين يتمايلون ويصَفّقون على إيقاع الأغنيات، ثمّ تصاعدَت الإيقاعات مع اقتراب العرض من نهايته وتحوّلَت إلى ما يشبه أصواتَ الطلقات النارية والتفجيرات، قبل أن تُطفَأ الأضواء مع صوت التفجير الأخير الأكبر، ويعمّ الظلام خشبةَ المسرح، في إشارة إلى طيّ الحرب اللبنانية نهائياً صفحةَ مسرح فاروق في الوسط التجاري لبيروت الذي تحوَّلَ ساحة حرب طاحنة، وطيّ حقبة غَنيّة من الغناء والموسيقى والاستعراض وحياة الليل في بيروت، وسط تصفيق حارّ مِن الجمهور تواصَل على مدى دقائق.باختصار، «بار فاروق» ليس عرضاً يُكتَب عنه، بل هو عرض يُشاهَد ويُستَمتَع به، لأنّه يُشعِر المُشاهد بأنّه محبوك بذكاء، مازجاً التاريخ بالثقافة والتمثيل والغناء والترفيه والأزياء.«لؤلؤة الشرق»، «ستّ الدنيا»، «سويسرا الشرق»... ألقاب لن نسمعَها مجَدّداً، وصِفات انطوَت مع صفحات الإزدهار المحروقة بنار المدافع، والتي تتطايرَت رماداً في هواء العاصمة المتألّمة.هذه الألقاب لن تُذكَر مجدّداً إلّا بأفواه شخصيات وهميّة يؤدي أدوارَها ممثّلون لا يمتّون إلى الحقيقة بصِلة، يقفون على خشبة المسارح ليذَكّروا أجيالَ «بيروت الفساد» بـ»بيروت الثقافة» التي ترَبَّعَت يوماً على عرش الازدهار وما زالت تناضِل للحفاظ عليه.