تنهمك أندية كرة القدم بالتحضيرات للموسم المقبل، فلا مجال للشك من أن ظروفها قد استعادت النظر من جديد إلى الواقع الحالي، ولم يعد بالإمكان أفضل مما كان.. «أكاديميات كروية» على مستوى مرتفع من التحضير وبمشاركة قياسية لتعلم أصول لغة اللعبة بإشراف مدربين لبنانيين، وحركة غير اعتيادية للفرق واللاعبين في ملاعب لم تهدأ حتى في عطلة الصيف وساعات الصيام القصوى، ما يعني أن كرة القدم ماضية في استحضار أصحاب المهارات الذين يزدادون يوما بعد يوم، بإشراف تدريبي لبناني محض.
لم يكن أمام إدارات الأندية أي مجال للتشكيك بالقدرات المحلية، فانطبقت على المدربين المحليين الذين يتمتعون بالكفاءة والثقة، إما بسبب أزمة التمويل التي بدأت تنهش في لحوم الصناديق وتأكل ما تبقى فيها من مدخرات أو ما شابه، أو يمكن كما يعتقد البعض أن المدرب المحلي اثبت أهليته وسطع نجمه وأصبح بإمكانه ان يجترح المعجزات.
عصر المدرب المحلي
والسؤال الذي يطرح نفسه.. هل بدأ عصر المدرب اللبناني، وانتهت ظاهرة المدربين العرب والأجانب؟ أم أن الأمر مجرد نزوة عابرة للأندية اللبنانية التي فضلت المحلي على العربي أو الأجنبي أو نتيجة للضائقة المالية التي يشهدها البعض منها خصوصا انه ما زال يعيش حالة من التردد قبل إبرام عقد جديد مع أي مدرب بانتظار ما ستؤول إليه الأمور؟
في كل الأحوال، فان الجواب الشافي الوحيد أن المحلي بدأ فعليا يشق طريقه وسط التحضيرات الجارية ليؤكد انه الأفضل بنظر الكثيرين.
ولد المدرب المحلي من رحم الأندية اللبنانية. لم يكن متخرجا من المدارس الكبيرة المعروفة في أوروبا. على الأقل، تدرج على الطريقة اللبنانية من خلال مدرب مساعد، ليطور نفسه وكان تفوقه المهاري في الملاعب سببا لمزاولة هذه المهنة، لكنه مع الوقت أصبح ملما وناضجا ليكون لاعبا أساسيا، يعرف في الأصول الكروية ويفهم اللاعب ويتعامل مع نفسيته بتلك الطريقة التي تستدعي أن يواجه فيها الـ «كاريزما اللبنانية» بكل تفاصيلها، ويكفي انه يتعامل مع لاعب هاو، يطمع بكل ملذات الحياة وليس مع محترف يطبق عملية الاحتراف بحذافيرها.
التجلي فنيا و «تكتيكيا»
إذا استثنينا أندية «النجمة» و «الحكمة» و «الصفاء»، يتبين أن المدرب اللبناني وجد طريقه فعليا في الموسم الفائت بعد أن أثبت أهليته، وأكد انه قادر على مقارعة المدربين الأجانب في شتى المجالات.
وللتأكيد فقط، فان «العهد» توج بطلا بقيادة فنية محلية، بحيث تفوق المدرب محمود حمود مع مساعده باسم مرمر على كثير من فكر المدرب الأجنبي، وكان لـ «العهد» أفضلية فنية عالية، لم يسبق أن فجرها بهذه القدرة الإبداعية، وكذلك فعل المدرب محمد الدقة الذي يسجل له في التاريخ انه تمكن من الفوز بفريقه البلدي «النبي شيت» على الفرق الكبيرة والعريقة، وابعد بعضها عن اللقب، إلى إنقاذ فريقه من الغرق، وجعله يحتل المركز الخامس، وها هو القدير جمال طه يعود إلى بيته بعد التجربة الشاقة مع المدرب الأجنبي التي ضربت مجهودات الإدارة والفريق لاستعادة اللقب.
ولا ينسى الجمهور اللبناني الإمكانيات التي بذلها المدرب موسى حجيج عندما تسلم «الراسينغ» وهو يهوي إلى القاع وانتشله ليبقى بين الأضواء، وأبلى مالك حسون بشكل رائع عندما انتزع مركز الأمان لفريق «الغازية» بعد أن تسلم دفة التدريب فيه، ناهيك عما فعله مساعد مدرب فريق «طرابلس» وارطان غازاريان بتوجيهاته وخبرته في الجهاز التدريبي لفريق الشمال.
كذلك، لن ينسى التاريخ مدرب «الحكمة» فؤاد حجازي الذي أعاد الفريق هذا الموسم إلى الدرجة الأولى بميزانية لا توازي الجهد المبذول.
كل هذه الأمثلة قد لا يدركها البعض إلا إذا وجد أن الدوري في الموسم الماضي كان عاصفا بالمدربين المحليين، إن كان على الصراع من فوق، أو في معركة الهبوط، وأن المدرب اللبناني تجلى فنيا وتكتيكيا ما أوصل الفرق إلى الحالة التي هي عليها.
حسمت أغلبية الأندية أمرها بهذا الاتجاه ليصــــبح الدوري في الموسم الجديد «دوري المدربين المحليين»، ما يعني أن المسالة لن تكون في الملــــعب فقط إنما في العقول التي استنارت بالمدارس الكروية من خلال الاطلاع والتحضير.
محمود حمود
يقول مدرب «العهد» محمود حمود الذي حاز على جائزة أفضل مدرب للموسم الماضي: «لقد اثبت المدرب المحلي جدارته، كونه بات يتمتع بالكفاءة والحس الكروي، خصوصا أن معظم المدربين يتابعون كل حديث وجديد عن اللعبة، وقد رأينا أن عددا من المدربين أكدوا على حضورهم في الموسم الماضي ومنهم محمد الدقة ومالك حسون وموسى حجيج.
وأضاف: «من المهم جدا أن تكون الفرق اللبنانية مع مدرب محلي بات يملك كل المقومات ويضاهي الأجنبي، وسينعكس ذلك في المستقبل على المنتخبات، خصوصا الفئات العمرية منها بحيث أثبت باسم محمد وغلام غادر جدارتهما في هذا المجال، وهي نقطة إيجابية نحو التطور والتحسن، بفعل التكتيك الحديث الذي بدأ المدرب المحلي يتمتع به».
ويرى حمود أن المدرب المحلي يعرف طبيعة اللاعب اللبناني وظروفه ويعيش معه، «خصوصا اننا ما زلنا في طور الهواة، ونأمل أن نصبح في دوري المحترفين. لدينا عدد كبير من اللاعبين يملكون المهارات لتطبيق ذلك، ما يعني أن المحلي يرى هذه الأمور ويعلم عن الكرة اللبنانية كل شيء ما يساعد على تطويرها».
ويختم: «برأيي، ان إدارات الأندية بدأت تضع ثقتها بالمدرب المحلي، الذي نأمل أن يتطور ويدخل عالم الاحتراف التدريبي».
جمال طه
ولا يختلف مدرب «الأنصار» جمال طه كثيرا عن حمود في تفسيره لظاهرة الهجمة على المدرب المحلي وهو يعلل ذلك إلى التفوق الذي أبداه المحلي في الموسم الماضي والى الأزمة المادية التي تمر بها الأندية: «فقد أثبت المدرب المحلي انه قادر على القيام بالكثير من الأمور مع الأندية وأكد جدارته في هذا المجال، كما انه غير مكلف ماديا مقارنة مع المدربين الأجانب والعرب على سبيل المثال».
ويضيف: «لقد احدث المحليون نقلة نوعية في فرقهم الموسم الماضي فكان الالتفات إليهم والتعاقد معهم، وكان أيضا هذا الكم من المحليين الذين باتوا يقودون أندية الدرجة الأولى، خصوصا أن المدرب الأجنبي الجيد هو مكلف للغاية ولا قدرة للأندية اللبنانية على التعاقد معه، في الوقت الذي اثبت من حضر لتسلم دفة التدريب في بعض الأندية عدم جدواه وفشل أمام المحلي ولم يحدث أي نقلة نوعية».
ويختم: برأيي، هناك نوعان من المدربين المحليين، منهم من يتمتع بالخبرة ويحمل شهادة في التدريب ومطلع ويتطور مع الوقت وهذا يعرف كيف يترجم تطلعاته مع اللاعبين ويتعامل معهم بحسب وضعهم الاجتماعي والنفسي».
محمد الدقة
بدوره، لم يبتعد مدرب «النبي شيت» محمد الدقة كثيرا عن زميليه معتبرا أن نجاح المدرب المحلي يكمن في فهمه لنفسية اللاعب اللبناني الذي يلعب بنظام الهواة ولا شيء يجبره على تطبيق نظام الاحتراف، ولا يخضع لبنوده التي تنص على الحضور صباحا إلى النادي وملازمة التدريبات والمداومة حتى المساء والنوم مبكرا، فهو يمارس وظيفته قبل التوجه لأداء تدريباته اليومية، ما يجعل التعامل معه بطريقة مناسبة تلاءم تفكيره وهو ما لا يعرفه المدرب الأجنبي الذي يتعامل مع اللاعب اللبناني بطريقة التعامل مع المحترفين الذين يطبقون نصوص هذا النظام وهو أمر لا يتناسب كليا مع تكوين اللاعبين».
ويضيف: نظرا للخبرات التي اكتسبها المحلي كونه عمل مساعدا للمدرب وكان لاعبا معروفا ثم شارك في دورات تدريبية عالية، نظرا لهذه الأمور فانه اكتسب الخبرة العالية التي وضعته دائما مع اللاعب اللبناني ومع ظروفه وتركته يحس بنفس معاناته ما ساعده على النجاح، لقد بات المدرب المحلي «مشروعا كبيرا» سيمضي قدما وسيحد بالتالي من الاستعانة بالمدربين الأجانب».