لم يكن ينقص طرابلس التي لا ناقة لها ولا جمل بأرمينيا إلا أن تدخل "حدادها " ، فالشمال الذي بعيداً فقط عن التاريخ الأرمني ، بل لا يوجد في تنوّعها المذهبي حضور لمسيحيي أرمينيا المجنسين لبنانياً .

ولكن في لبنان ، لكل قرار تداعيات ، فوزير التربية الذي أعلن إقفال المؤسسات والإدارات والمدارس الجمعة لتزامن اليوم مع السنوية المئة لمجزرة الأرمن (وهو القرار الأول من نوعه) ، فتح الباب أمام من يعشقون جرّ لبنان في كل حابل ونابل إلى التمادي ....

فنحن ما زلنا تحت وطأة إنقسام الحزم (حوثي-سعودي) ، لنبدأ بإنقسام آخر ألا وهو (تركي – أرمني ) ، فالكل يعرف أن جزء من الطائفة الإسلامية في لبنان ولا سيما الشمال تركية الأصول والأجداد  !

قرار وزير التربية قوبل برفض شمالي ، الذين اعتبروه تشويهاً للتاريخ ولعب بالوقائع ، وهذا القرار دفع الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي إلى تغيير الصورة الشخصية لعلم تركيا ، وإلى تكثيف المنشورات التي تدعم الأتراك (وهذا أمر لم نشهده قبلاً ) .

 

فبحسب أهل طرابلس ما قام به وزير التربية هو استفزاز للشمال ، الذي يعتبر تركي الهوى والطابع ...

 

والأمر لم يتوقف هنا ، بل تعداه لعمق الساحة الطرابلسية بين نجيب ميقاتي الذي تقوم "جمعيته" جمعية العزم والسعادة ، بالمشاركة مع المجلس البلدي وغيره من الفعاليات ، ستقيم احتفالاً ضمن المهرجان الفني الممتد على 24 -25-  26 نيسان ، وسيتضمن الاحتفال عدد من فرق "الكورال الأرمنية " إضافة إلى  كورال ياريفان القادم خصيصا من أرمينيا ، والمهرجان من تنظيم مايسترو كورال الفيحاء الأرمني باركيف تسلاكيان المعروف بمواقفه المعادية لتركيا ،وهذا ما اعتبره الطرابلسيون استفزازاً لهم وبالأخص ، أنه ومنذ قرابة الشهر كانت المركز الثقافي في بيروت في صدد عرض فيلم تركي غير انه توقف بناء على إعتراض الأرمن ...

وتقابل الأمرمع دعوة لأيقاف هذا المهرجان ، من مدير مكتب سماحة مفتي طرابلس والشمال ماجد الدرويش ، الذي دعا لصلاة عصر جامعة في مكان الاحتفال (معرض رشيد كرامي) يوم الأحد ، وهو اليوم الذي ستقوم الفرق الـ 11 المشاركة جميعها بتقديم حفل جامع في 26 نيسان، أي في ذكرى إحياء يوم طرابلس، يوم تحريرها من الإفرنج الصليبيين .

هذه الصدف لم ترق للشمالي ، وترافقت مع دعوة شعبية لحمل أعلام الدولة التركية الشقيقة عالياً طيلة أيام المهرجان ...

والإعلان الذي أصدره السيد ماجد الدرويش هو :

"لا شك أن أهل طرابلس قد أثبتوا عن صدق حمية دينية انطلاقا من قول الله تعالى (وأن هذه أمتكم أمة واحدة) .وقد تبين أنه يوجد أكثر من احتفالية للفرق الأرمنية. وهذا يستوجب التعديل.

فالصلاة جماعة عصر الأحد لن تؤدي إلى منع الاحتفال لأنه بعد المغرب. كما أن غرفة التجارة والصناعة سوف تستضيف يوم الجمعة بعض هذه الفرق وكذلك الضنية يوم السبت. لذلك يهمنا أن نبين الآتي:

١- إن تحرك شريحة واسعة من ابناء طرابلس ضد احتفاليات مئوية الأرمن ليست ضد أي طرف سياسي طرابلسي ولا اقتصادي. ونحن نعلم أن غالبية الذين رعوا هذه الفعاليات ما كان يخطر على بالهم هذا الموضوع.

٢- ينبغي أن تكون التحركات على الشكل الآتي:

أ - وقفة احتجاجية يوم الجمعة ٢٤ نيسان أمام غرفة التجارة والصناعة في طرابلس تعبيرا عن رفض طرابلس لمزاعم الأرمن وذلك في الساعة الثامنة مساءً وقت الحفل.

ب - المطلوب من أهلنا في الضنية أن يكون لهم موقف يوم السبت.

ج - أما يوم الأحد فالاحتفال في المعرض الساعة الثامنة مساءً وبالتالي صلاة العصر جماعة في المعرض لن يكون لها تأثير وعليه فالمطلوب التجمع في الساعة الثامنة في مكان الاحتفال تعبيرا عن رفضنا له وللمزاعم الأرمنية.

وجزاكم الله خيرا "

 

 

وكذلك مركز العزم والسعادة كان له في هذا الأمر توضيح وهو :

" توضيح لبعض ما تم تداوله بالإعلام مؤخرًا وعبر وسائل التواصل الإجتماعي :

يهم مركز العزم الثقافي، بإعتبارنا الجهة المنظمة للمهرجان اللبناني الدولي للغناء الجماعي، أن نوضح التالي:

1-    لقد إلتبس الامر على البعض حين وضعوا هذا المهرجان بإطار سياسي في حين أنه عبارة عن مهرجان ثقافي وفني يحمل رسالة التلاقي والتناغم الحضاري بين الشعوب، وهي رسالة تجسد ماتمتاز به مدينة طرابلس ولبنان عمومًا من إنفتاح حضاري عبر العصور.

2-    يشارك في هذا المهرجان فرق لبنانية محلية وفرق أوروبية، ولابأس من الإشارة إلى أن هذه الفرق تقدم فنونًا إسلامية ومسيحية وعصرية.

3-     إنه مهرجان فني وثقافي بحت ، لا يتضمن اية مادة فنية استفزازاية، ولا علاقة له باية اصطفافات سياسية او طائفيّة.

4-    كما أن توقيت المهرجان غير مرتبط بأية مناسبة، وانما جاء بناء لاعتبارات تقنية وفنية لا أكثر.

وعليه إقتضى التوضيح

مركز العزم الثقافي – بيت الفن "

 

وما بين الإعلان والتوضيح أصبح الشارع الطرابلسي في اتجاهين ، احدهما لم يأبه للأمر ولم يحمله "أكثر مما يستحق " ، والآخر صبّه في ناحية الاستفزاز معتبراً ان الرئيس الميقاتي "يبيض طناجر " مع الأرمن ، وداعيين له لتنفيذ هذا المهرجان في أرمينيا لا في طرابلس .

 

والأمر لم يقتصر من ردود الفعل في الشمال وحده بل على الصعيد اللبناني أيضاً كان لعطلة بو صعب تداعيات ، فقد امتد الأمر للقنوات الفضائية حيث عمد المسؤولين عن شبكة الستالايت في جل الديب وبصاليم ومزهر والمجذوب وانطلياس على قرار إستبدال القنوات التركية بشعار تضامني مع الأرمن في ذكرى مرور 100 سنة على المجازر .

وهذا ما قام بتهنئتهم عليه عضو تكتل "التغيير والإصلاح" النائب نبيل نقولا .

 

ويضاف إلى هذا ما أعلنه موقع التيار الوطني الحر صباح اليوم عن بدأ تحرّك مفاجئ ونوعي لـ"omega  team" أمام مكتب الخطوط الجوية التركية في العازرية في بيروت، يهدف الى الحدّ من السياحة الى تركيا.

 

 

إنطلاقاً من هذه الفوضى التي طغت لبنان تركياً أرمينياً ، نتوجه لأهل السياسة بالسؤال : لماذا الضرب على الوتر الطائفي والعصبي والانتمائي ؟

هل كان من ضرورة لإثارة مجرزة الأمل (وهي قضية حولها اختلاف وعدة وجهات نظر ) ، وهل كان يستدعي أن نأخذ "قراراً بإقفال المؤسسات " ، يدفع اللبنانيون إلى التركيز على هذه المناسبة وإلى الانقسام حولها ...

الامر لم يكن يستدعي طبعا ً ...

ما كان من الضرورة على الوزراء أن يدخلون الشارع اللبناني في جدل أرميني تركي .

غير أنه للأسف هذه السياسة اللبنانية التي  تبحث دائماً  عن أرضية للخلافات والتبعيات .