كلّما تَعتَّقَ رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي في العمل السياسي قيادةً وخِبرةً، جادَ، فهو بخبرتِه السياسية الطويلة استحقّ لقبَ «مهندس الحوار»، في ضوء ما يَخوضه من تجارب حوارية، وآخرُ هندساته الحوارُ الذي يرعاه بين تيار «المستقبل» و»حزب الله»، وقَبله كان الحوار الذي رَعاه عام 2006 بين مختلف الأفرقاء السياسيّين اللبنانيين في مقرّ المجلس النيابي. وانطلاقاً من خبرته وعلاقاته العربية والدولية الواسعة يسعى الآن إلى هندسةِ حوارٍ يَمنيّ ـ يَمنيّ لإنهاء الأزمة اليمنية.

تُجمِع الأوساط السياسية والديبلوماسية على التنويه بالدور الذي يلعبه برّي في هذه المرحلة على جبهتَي الحوار الذي يرعاه بين حزب الله وتيار «المستقبل»، والأزمة اليمنية، انطلاقاً مِن تحَسّسِه أهمّية الحوار بالنسبة إلى مستقبل الأوضاع في لبنان، وكذلك تحَسّسه المخاطر التي يمكن أن تصيبَ العالم العربي والإسلامي في حال استمرّت الأزمة في اليمن على غاربها.

ولقد تحسّسَ برّي مخاطرَ الأزمة اليمنية منذ بضعة أشهر، في ضوء التقدّم الميداني الذي أحرزَه الحوثيون وما يمكن أن يستدرجَه مِن ردود فعلٍ لإطراف داخلَ اليمن وخارجَه، فبادرَ إلى الاتصال برئيس الاتّحاد البرلماني العربي ورئيس البرلمان الكويتي مرزوق الغانم، مقترِحاً مبادرةً تَقضي بتشكيل وفدٍ برلمانيّ عربي يضمّهما ومجموعةً مِن رؤساء البرلمانات العربية العريقة لزيارة اليمَن والاجتماع بمختلف الأفرقاء اليمنيين المتنازعين وطرحِ مبادرةِ حلٍّ سياسيّ للأزمة اليمنية، فاستمهله الغانم لإجراء مشاورات في هذا الصدد، وبعد انتظارٍ لم يتبَلّغْ برّي مِن نظيره الكويتي أيَّ ردّ، فاستنتجَ أنّ هذا الأمرَ ليس متاحاً.

ولكنّ برّي العارف بأوضاع اليمن وتربطُه علاقات بمختلف القوى والقيادات السياسية اليمنية لم يفقد الأمل، وازدادت حماستُه للعمل على تأمين انعقاد مؤتمر حوار يَجمع أطرافَ الأزمة اليمنية والدوَل المؤثّرة فيها، فكانت له ولا تزال مشاورات واتّصالات مع كثير من العواصم العربية والإقليمية عبر سفرائها في بيروت، وفي مقدّم هؤلاء سفيرا المملكة العربية السعودية علي عواض العسيري والجمهورية الإسلامية الإيرانية محمد فتحعلي، وهو يشَدّد في هذه الاتّصالات على التأكيد أنْ لا حلَّ للأزمة اليمنية مهما طالت إلّا بالحوار.

ويكشف برّي أنّه اقترحَ على هذه العواصم أن تكون سلطنةُ عمان أو لبنان أو الجزائر مكاناً للحوار اليمني- اليمني، وقد تبَلّغَ من هذه الدوَل موافقتَها، فالسعودية كانت ترغَب أن ينعقد هذا الحوار على أرضها، ولكنّ هذه الرغبة اصطدمَت بمعارضة بعض أطراف الأزمة، ولكنّ الرياض أبلغَته أنّها لا تمانع في أن ينعقد الحوار في إحدى دول الخليج العربي، فاقترحَ سَلطنة عمان، وفي الوقت نفسِه تبَلّغَ من الجزائريّين، الذين كان قد «مانَ» عليهم باقتراح بلادهم مكاناً للحوار، أنّهم مستعدّون لاستضافة هذا الحوار.

وأكّدَ برّي للمعنيين في الوقت نفسِه أنّ لبنان الذي سينعقد فيه مؤتمر الاتّحاد البرلماني العربي أواخرَ الشهر الجاري مستعِدّ أيضاً لاستضافة الحوار بين الأطراف اليمنية على أراضيه.

ويشير برّي إلى أنّه تبَلّغَ من القيادتين السعودية والإيرانية تأييدَهما لمَسعاه الحواري في شأن اليمن هذا، وأنّ اللقاءات التي يعقدها مع السفير السعودي من حين إلى آخر تندرج في إطار سعيِه للمساعدة على حلّ الأزمة اليمنية، إذ إنّه يؤكّد أنّ الحوار لتحقيق هذا الحلّ فيه مصلحة قصوى للمملكة العربية السعودية ولبَقيّة دوَل الخليج العربي، لأنّ استمرار الحرب في إطار «عاصفة الحزم» أو غيرها لن يُنتِج أيّ حلّ.

ويُركّز برّي في هذه الأيام أمام زوّاره العرب والأجانب والمحَلّيين، من مختلف المشارب السياسية، على جدوى تعميم الحوار اللبناني، قاصداً الحوارَ بين حزب الله وتيار «المستقبل» على كلّ الأزمات التي تشهدها هذه الدولة أو تلك من العالم العربي، لأنّ هذه الأزمات مهما طالت فإنّها كالأزمة اللبنانية محكومةٌ بأن تنتهي إلى حوار بين أطرافها لإنتاج الحلول الناجعة لها.

وإذ يؤكّد سياسيّون أنّ تحرّكَ برّي يَحظى بدعم الأفرقاء السياسيين المحَليين المتعاطين الشأنَ اليمني، فضلاً عن دعم الأفرقاء المتنازعين والقوى والدوَل التي تقف خلفَهم، ما يمنحه هامشاً كبيراً من التحرّك، يقول برّي لزوّاره إنّه ينتظر أجوبةً على اقتراحاته من مجموعة عواصم عربية وإقليمية، فإذا جاءت إيجابية فإنّه لن يتأخّر في القيام بجولة عربية وإقليمية لبَلوَرة أسُس مؤتمر الحوار اليمني وكلّ الترتيبات السياسية المتعلقة به، ومِن بين هذه العواصم التي يمكن أن يزورَها الرياضُ وطهران