التقدم البسيط في موضوع انتخاب رئيس للجمهورية الذي تحدث عنه الجنرال ميشال عون من عين التينة، ليس إلا نتيجة تأثير الحرارة التي تفيض عادة من حديث الرئيس نبيه بري عن الإستحقاق الذي من شأنه ان يعيد الإنتظام الى مسيرة الدولة اللبنانية ومؤسساتها.واذا كان عون رفض الخوض في تفاصيل هذا "التقدم البسيط"، فإن بري لا ينسى فاصلة تمر من دون محاولة توظيفها في هذا الأمر، ولهذا فإنه يضرب أخماساً بأسداس، ولا يجد في الواقع سوى المراهنة على الرمزية الضمنية لجلسة اليوم ورقمها ٢٠ التي تصادف 11 آذار وهو الرقم الوسطي للجمع بين ٨ و١٤ آذار ثم القسمة على اثنين!لكن "القسمة" عند الموارنة عليم الله، بعدما تعذّر استحضار "منطق الضيزى" في مسألة النصاب، ومن الواضح ان الرئيس بري يحرص في كل أربعاء على ان يكرز في آذان النواب الذين يحجّون الى ديوانيته استئناساً ورغبة في الاستقراء، بأنه لا يجوز في أي حال من الأحوال استمرار هذا الوضع الشاذ ومن الضروري معالجته في أسرع وقت ممكن وعلى كل المستويات نظراً الى انعكاساته على الوضع العام في البلاد.قبل أيام قال بري إن لبنان مثل الذرّة غير قابل للتجزئة واذا تجزّأ انفجر وفجّر محيطه. عندما قرأت هذا الكلام بدا لي كأنه تحذير باللون الأحمر من ان ينسحب الواقع المتفجّر في المنطقة على الواقع السياسي المعطّل في لبنان بحيث نقع جميعاً في المحظور، ومن الواضح انه تحذير مسؤول يتجاوز حدود الدور السياسي والوطني الى مستوى السعي الدؤوب لهندسة البدائل التي تمنع تلك الذرة اللبنانية من ان تتجزّأ فتنفجر وتفجّر!ربما على هذا الأساس يبدو نبيه بري كأنه مدير مفاعل يعمل بطاقة ذاتية على حفظ وتيرة الحوار في البلد، ولا أقصد الحوار الدائر حالياً في عين التينة بين "تيار المستقبل" و"حزب الله" والذي يحوطه بكل عناية ويحرص على إبقائه في نوع من الكتمان الحريز بعيداً من الإجتهادات والتأويل، مكتفياً بالقول إن كل المواضيع التي تطرح على الطاولة سواء كانت تتعلّق بالضاحية أو بغيرها من المواضيع هي مهمة وهادفة.الحوار بين "المستقبل" و"حزب الله" ليس أولى الطاولات التي هندسها بري وقد لا يكون آخرها. فعلى امتداد أزمات لبنان السعيد، كان دائماً يعمل على فتح النوافذ ومعالجة الإنسداد، على قاعدة ان الإنسداد يؤدي الى احتقان يفضي بدوره الى انفجار، وكانت له دائماً براعة الإخراج والإدارة من شعار "غسل القلوب" ولو بصابون بلدي، الى شعار "انتهينا من حوار المنابر وغداً جلسة حوار المحابر"... وسواء أكانت الطاولات مستديرة أم مستطيلة أم مربعة فليس من مهندس غيره!