قد يكون «الاتفاق النووي» العنوان الأبرز للمرحلة. الجميع ينتظر الفرج. العالم يترقّب موازين القوى الجديدة، ورئيس المجلس النيابي نبيه بري يحيل الأزمات الداخلية الى ما بعد 24 آذار، الموعد الافتراضي للتوقيع على الاتفاق، لاستشراف آفاقه وانعكاساته على الداخل اللبناني، وكُتّاب «حزب الله« يُهيّئون جمهور «المقاومة» لاستقبال اي متغيرات محتملة في الخطاب والممارسة بروح رياضية، فكلّ ذلك «يصب في مصلحة الأمة«.يمكننا وصف «الاتفاق النووي» المرتقب بـ»اتفاق العصر». في نهاية المطاف، سترسم هذه الصفقة، إن تمّت، خارطة الشرق الأوسط الجديد. لكنه شرق اوسط جون كيري وليس كونداليزا رايس. شرق أوسط، ترسم ملامحه الجديدة الولايات المتحدة مع ايران وأدواتها في المنطقة.على الضفة اللبنانية، يجهد المراقبون لاستشراف مستقبل «حزب الله» ما بعد ابرام هذه التسوية المحتملة. يميل البعض الى الاعتقاد بأن «النووي» سيأتي على حساب الحزب! في الأمر بعض التسخيف للواقع.سعت الأقلام الدائرة في فلك «حزب الله « مؤخراً لتحضير «النخبة» على خطاب «الثابت والمتحوّل». يقول أحد كبار منظرّي الحزب في احد مقالاته، إنه من البديهي أن «لا مفاوضات بلا تنازلات». ويتابع متسائلاً: «هل تريد اسرائيل شريطاً عازلاً من سيناء الى الجولان ودرعا مروراً بشبعا والاراضي اللبنانية»؟!..ويخرج باستنتاج عميق: «هذا ما ستكشفه الايام المقبلة«!ليس من مهمّة هذا المُنظّر أن يجيب عن التساؤلات التي طرحها. يكفيه أن يرمي بها في صفوف جماهير حزب الله، كما أوعز اليه، ليضعهم أمام كافة الاحتمالات..ومنها مصير «المقاومة«.في الحديث عن «الثابت والمتحوّل«، لم تعطِ واشنطن في أي مناسبة انطباعاً بأنها ضد تضخّم الدور الداخلي لـ»حزب الله». غداة استشهاد الرئيس رفيق الحريري، لم يعارض الأميركيون بكلمة واحدة إنتاج توافق داخلي من خلال ما عرف بـ»التحالف الرباعي». وفي السابع من أيار 2008 كان كثيراً على الموقف الأميركي أن يوصف بالخجول. وخرج قادة حزب الله يومها ليشمتوا بـ»14 آذار»، باعتبار أن «الأميركيين باعوا جماعتهم«.ما يهم الأميركيين بالدرجة الأولى، كما الإسرائيليين، هو أمن إسرائيل، ليس إلا. وبعد ذلك لا يهم إن سيطر «حزب الله» على الدولة اللبنانية، أو حارب في الغوطة وريف حلب ودرعا، أو حتى في القنيطرة المحاذية للحدود مع الجولان المحتل. وفي هذا السياق وحده يمكن فهم وثيقة بوغدانوف الشهيرة، والفيديو المسرّب لنصرالله وهو يرسل رسالة تطمين لاسرائيل بأن الجنوب سيبقى هادئا، ومن ثم كل الرسائل التي تُمرّر تحت ستار القصف الخطابي العنيف من نوع أننا «لا نريد الحرب لكننا لا نخافها». النصف الأول من العبارة موجه الى من يعنيهم أمر «ما بعد بعد حيفا»، والنصف الثاني ليستهلكه أصحاب القبضات الغاضبة الهاتفين «لبّيك نصرالله«.«حزب الله» يضع أي ثابت ومتغيّر في ميزان «الربح والخسارة»، على الرغم من جهوزية خطاب «النصر الالهي» في الحالات كافة. ماذا يمكن أن يربح «حزب الله« اذا ما حافظ على سلاحه بمباركة أميركية، وإن انتهت وظيفة «المقاومة» بطلب ايراني؟عقب تحرير الجنوب عام 2000، تحوّلت وجهة السلاح «المقدّس» شيئاً فشيئاً باتجاه الداخل اللبناني. نجح «حزب الله« في فرض معادلات سياسية وأمنية داخلية بقوة هذا السلاح. بدءاً من عمليات الاغتيال السياسي التي انطلقت عام 2004 واستمرت لسنوات طويلة، وصولا الى «القمصان السود» وفرض تغيير مواعيد الاستشارات النيابية ريثما تتغيّر التوازنات بهدف اطاحة وصول الرئيس سعد الحريري الى السراي، مرورا بأحداث 7 أيار المشؤومة.أن يكون الحفاظ على سلاح «حزب الله« من ثوابت الاتفاق النووي، هو انتصار فعلي للولي الفقيه، الذي ما كان ليهيمن على لبنان (حدود ايران الغربية كما وصفه مستشار خامنئي يحيى رحيم صفوي) ودمشق وبغداد وصنعاء لولا هذا السلاح. فائض قوة الحزب والميليشيات الايرانية في المنطقة، المستمد من هذا السلاح، هو من الثوابت الايرانية .من الواضح أن اسرائيل دخلت في مواجهة شرسة مع أوباما للوصول الى صيغة تحمي فيها حدودها وأمنها، وهي لن تسمح بتوقيع أي اتفاق إن لم تحصل على الضمانات. لا مشكلة لدى المفاوضين في ذلك. فـ»المقاومات» الايرانية على مساحة الوطن العربي، تحوّلت من مواجهة « الأصيل» (اسرائيل) الى مواجهة «الوكيل» (التكفيريين). هذا ما قاله حزب الله والحوثي والحشد الشعبي في بياناتهم «المُوحّدة»: «الارهاب التكفيري هو الوجه الآخر للارهاب الصهيوني». وعليه، ستكرّس ايران قوة ميليشياتها لمواجهة هذا «الوجه الآخر». مواجهة الوكيل لا الاصيل. يمكن أن نضع عملية «شبعا» الاخيرة في هذا الاطار، من حيث «انضباطها» وعدم تخطّيها للخطوط الحمر الدولية.ربما يتبيّن في النهاية أن السيّد نصرالله عندما قال «من يمد يده الى السلاح سننزع قلبه وعقله وروحه»، انما كان يعني أن السلاح هو المقدّس، وليست المقاومة، وأن الحوار في شأن السلاح ممنوع على الطاولة اللبنانية، ومقبول في بازار المفاوضات مع الاميركيين !