لا يزال التناقض يسيطر على الأخبار المتعلقة بتلبية رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو، دعوة رئيس مجلس النواب الأميركي لإلقاء خطاب أمام مجلسي الكونغرس قبل الانتخابات العامة في بلاده بمدة قصيرة لا تتجاوز الأسبوعين. فهو من جهة أكّد أكثر من مرّة عزمه على تلبيتها على رغم المعارضة الحادّة لها من أحزاب الوسط واليسار في بلاده، وعلى رغم عدم حماسة المؤسسة العسكرية لها خوفاً من انعكاسها سلباً على علاقة التحالف مع أميركا، وخصوصاً بعد التردّي الكبير في العلاقة بينه وبين رئيسها باراك أوباما. وهو خوف تشعر به قطاعات شعبية واسعة ونُخَب كثيرة تعرف تمام المعرفة أن الحماية الأميركية لإسرائيل هي التي ضمنت بقاءها ونموها حتى الآن، وأن التفريط بها سيعرّضها إلى أخطار وجودية على رغم تفوّقها العسكري على أعدائها العرب والمسلمين، ولا سيما في ظل الانتشار السريع للتيارات الدينية المتشدّدة والعنفية في العالم الإسلامي. وهو يبرّر إصراره على التلبية على رغم اعتراض نواب وشيوخ ديموقراطيين على توجيه الدعوة إليه، وعلى رغم تهديد بعضهم بمقاطعة الجلسة المشتركة التي سيخطب فيها، بحرصه على عدم التخلّي عن جمهوريي الكونغرس الذين وجّهوا الدعوة، وعلى دعم موقفهم المطابق لموقفه وحكومته من الاتفاق المرجّح بين أميركا والمجموعة الدولية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وهو موقف سلبي جرّاء أخطاره على إسرائيل أولاً وعلى أميركا في رأيهم كلهم.إلا أن متعاطياً للشأن العام في أميركا ومتابعاً في الوقت نفسه للشرق الأوسط بعربه وإسرائيلييه والعجم التقى نتنياهو مرّات قليلة في السابق، يعتقد أنه سيقوم بالزيارة في موعدها. ذلك أنه يمتلك من الشجاعة وربما من التهوّر ما يدفعه إلى ذلك. ودافعه إلى هذا الأمر، إلى دعم مؤيديه في الكونغرس الرافضين أي اتفاق مع إيران وإن جيداً، هو ضمان رفض أوباما اتفاقاً معها غير مكتمل وفيه ثغر كثيرة. علماً أن أي اتفاق يُوقّع لا يمكن أن يكون كاملاً. إذ يحتاج كغيره من الاتفاقات إلى أكثر من مراجعة بغية تنقيته من كل ما يخلّ في التوازن المطلوب فيه.هل سيذهب نتنياهو إلى حدّ المغامرة في حال فشله في ثني الرئيس الأميركي عن توقيع اتفاق مع إيران؟ والمغامرة هنا تعني تنفيذ عملية عسكرية تستهدف المنشآت النووية الإيرانية والأخرى العسكرية، كما البنى التحتية الاقتصادية وغير الاقتصادية. وهذا ما ألمح إليه مرات عدة أخيراً في أثناء مواجهته الاحتجاجات والاعتراضات على زيارته للكونغرس في آذار المقبل المستفزّة لأوباما بل المهينة له ولحزبه، الذي كان أكثر تأييداً لإسرائيل من الحزب الجمهوري المنافس منذ نشأتها. لا يعتقد المتابع ومتعاطي الشأن الأميركي نفسه أن نتنياهو سينفّذ عملية كالمشار إليها على مسؤوليته وحده ومن دون أي تشاور مسبق حولها. إذ يجب أن يحصل على ضوء أخضر من نوع ما من أميركا عليها. وهو ما لن يتم بالتأكيد وخصوصاً إذا أثمرت مفاوضات المجموعة الدولية 5 + 1 (المانيا) مع إيران اتفاقاً، بصرف النظر إذا كان كاملاً أو لا. وهو يعرف أن استهدافه إيران عسكرياً سيجعل بلاده تدفع ثمناً باهظاً. ذلك أن "حزب الله" اللبناني الجنسية والإسلامي – الإيراني الايديولوجيا لن يبقى ساكتاً، وسيشعل الجبهة مع إسرائيل باستعماله ترسانته الصاروخية المهمة والمتطوّرة. فضلاً عن أن أحداً لا يعرف حجم ترسانة الصواريخ الإيرانية ومداها وقدرتها على إصابة إسرائيل مباشرة. ومنظومة "القبة الحديد" الإسرائيلية جيدة للتصدي للصواريخ المهاجمة، لكنها لم تُختبر بعد لجهة منع آلاف الصواريخ من الوصول إلى أهدافها. علماً أن إيران قد تقدم على خطوة إغلاق المضائق في الخليج والتسبّب بخراب كبير فيه. كما أنها و"حزب الله" قد يستعملان شبكاتهما النائمة في العالم ضد إسرائيل واليهود وغيرهم. وبذلك يدفع نتنياهو العالم إلى لوم بلاده وتحميلها المسؤولية، الأمر الذي يزيد من عزلتها على رغم أن مبرره هو أن إيران تدعو إلى إزالتها من الوجود.ومع أن المتعاطي والمتابع نفسه يعتبر المبرر معقولاً إلى حدٍّ كبير، فإنه يعتقد أن أميركا بوصفها حامية إسرائيل ستمنع ذلك بالقوة العسكرية، إذا تعذّر إقامة جو سلمي غير رسمي بينها وبين إيران من خلال توازن ردع لا مصلحة لكليهما في خربطته. ويعتقد أيضاً أن أوباما سيوظّف الاتفاق مع إسرائيل لإقناع من لا يريد الاقتناع بأن أميركا هي السيد وليس إسرائيل.