أقل من 36 ساعة هي المسافة الزمنية الفاصلة بين كلام الامين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله الذي اعلن فيه رفع سقف المواجهة مع اسرائيل الى حدود غير مسبوقة.

 

أكد نصرالله الاستعداد التام لتغيير قواعد اللعبة والاشتباك معها الى درجة التفكير الجدي في اقتحام منطقة الجليل، وبين الضربة الاسرائيلية الموجعة التي اردت مجموعة من كوادر المقاومة في بقعة جغرافية سورية تقع ضمن نطاق منطقة ريف القنيطرة اي على تخوم المنطقة التي ما زالت في قبضة اسرائيل وتتبع الجولان المحتل.

 

سارع بعض المحللين الى ادراج الخطوة الاسرائيلية التصعيدية في سياق الرد العاجل على عنصر التحدي الصريح الذي اطلقه السيد نصرالله في اطلالته الاعلامية الاخيرة بغية طمأنة هواجس الشارع الاسرائيلي ومن يعنيهم الامر بان زمام الامور ما فتئ في يد تل ابيب ولم يتحول الى سواها، وهذا يعني ان اسرائيل قبلت التحدي.

 

فيما اعتبر البعض الآخر ان اسرائيل ربما قررت السير طائعة او مكرهة في حماقة غير محسوبة وارتضت ولوج عتبة مغامرة غير محمودة من شأنها ان تفتح الباب على احتمالات التصعيد الفالت من اي عقال، خصوصا اذا ما بادر الحزب الى الرد على "تحية" سقوط 6 من كوادره بينهم ثلاثة من القادة المخضرمين، اضافة الى الجنرال الايراني. وبصرف النظر عن رجحان اي من كفتي القراءتين، وبعيدا من نهج الغموض الذي اعتصم به الحزب حيال ما مني به رافضا اماطة اللثام عن كيفية رده وتوقيته ومكانه، خصوصا انه لم يعتد في تاريخ صراعه المديد مع اسرائيل الا الرد، فالثابت ان حزب الله وبعد هذه الضربة وجد نفسه امام واقع مختلف ثلاثي البعد:

 

- ان الحزب سيسأل ولا ريب عن الرد ولا سيما انه بعث بأكثر من رسالة توحي بانه على اهبة الاستعداد لتطوير سبل المواجهة مع عدوه التاريخي، فضلا عن ان الضربة التي تلقاها الاحد الماضي هي من حيث الحجم والصدى امر لا يمكن استيعابه والسكوت عنه او وضعه في دائرة "الحساب المفتوح"، وهو المصطلح الذي تلهج به ألسنة قيادات الحزب في كل مرة يتوسل الحزب تبرير ارجاء الرد على اي عدوان.

 

- ان الحزب كشف من خلال ما حصل اخيرا انه اختار ميدانا جديدا لمقارعة الاحتلال ومواجهته هو الميدان السوري المشتعل، وبالتحديد في بقعة جغرافية شاءت اسرائيل ان تكون لها بمثابة "جدار طيب" آخر او "دفرسوار" تعبر منه الى معادلات الداخل السوري بعدما ضرب الاضطراب هذا الداخل وخلخل بنيانه المعهود واسقط معادلات واقام اخرى في تكرار جلي لما اقدم هذا الكيان عليه في الشريط الحدودي من الجنوب اللبناني في بداية الحرب الاهلية عام 1976، والذي تمدد لاحقا كبقعة الزيت، وبعدما قررت ان تمد يدها لمجموعات سورية معارضة اخذت على عاتقها السيطرة على شريط حدودي سوري مع الجولان المحتل.

 

- ان الحزب ارتضى بمعنى آخر الدخول جهارا في لعبة تغيير قواعد اللعبة والاشتباك مع الاسرائيلي من خلال توسيع نطاق خطوط التماس والمواجهة معه بعمق وطول غير مسبوقين في تاريخ صراعه الطويل مع الاحتلال، والذي بدأ عمليا وميدانيا في اعقاب الاجتياح الاسرائيلي الواسع للاراضي اللبنانية في صيف عام 1982.

 

وعليه فان السؤال المطروح بإلحاح في اوساط جمهور الحزب وقاعدته هو: هل لدى الحزب الجهوزية العددية والعتادية لهذه المنازلة ولهذا التحدي الذي وضعه امام نفسه، واستطرادا لهذا الميدان المترامي الاطراف والحافل بشتى صنوف التعقيدات والاحتمالات الخطرة؟

 

لهذه التساؤلات اجاباتها الاولية الجاهزة لدى دوائر القراءة والقرار في الحزب وذلك على النحو الآتي:

 

- ان ماحصل في مزارع الامل في ريف القنيطرة الاحد الماضي له في مقابل وجه الخسارة الكبرى المتمثل بفقدان الكوادر الستة مع الجنرال الايراني وجه ربح معنوي كونه اكد بما لا يرقى اليه الشك ان الحزب لم يضع بوصلته الاساسية ولم يته عن عدوه على رغم انخراطه المباشر والوازن في الميدان السوري المشتعل منذ اكثر من عامين.

 

- ان الحزب سبق له واظهر قبل اشهر عدة انه سارع الى ملء الفراغ في مناطق معينة من ريف القنيطرة من خلال تعمده الاشتباك مع دورية اسرائيلية ردا على غارة اسرائيلية استهدفت مواقع للجيش السوري في خطوة الغاية منها ابلاغ اسرائيل انه صار موجودا على تخومها وانه مصر على تركيز قواعد جديدة دائمة له هناك، واكثر من ذلك انه مستعد لإرساء قواعد لعبة جديدة عمادها الرد على كل استهداف للاراضي السورية.

 

ويبدو وفق المعلومات ان خطأ تكتيكيا سقطت فيه مجموعة الحزب التي كانت في رحلة استطلاع وتهيئة لإقامة قواعد، اذ انها كانت تتحرك باطمئنان مبالغ فيه ولم تكن تلتزم قواعد الامان والتخفي اللازمين مما جعلها هدفا سهلا للاسرائيليين.

 

- لم يعد جديدا القول ان منطقة القنيطرة هي اولى ثغر ثلاث تعاني القيادة السورية فيها ضعفا، وثانيها هي درعا وثالثها ريف حلب الشمالي.

 

ويبدو جليا ان ثمة خطة وضعها محور المقاومة مع النظام في سوريا لتدارك الامر تقوم على اقامة خط دفاع عن العاصمة دمشق من جهة درعا ويتكفل به الجيش السوري، فيما يتكفل الحزب بالتعاون مع المستشارين الايرانيين ملء ثغرة القنيطرة على ان يستكمل الجيش السوري محاصرة حلب لخنق المجموعات المعارضة التي تبسط سيطرتها على بعض احيائها، وبذا يمكن النظام وحلفاءه القول بيقين انهم تجاوزوا الخطر وانهم قادرون على مواجهة كل المفآجات المحتملة حاضرا ولاحقا.

 

وعليه فان الحزب وحلفاءه هم في وضع من يحاول تغيير قواعد اللعبة، ووضع قواعد اشتباك جديدة فيما الاسرائيلي اراد عبر غارته ان يبلغ من يعنيهم الامر انه يعارض هذا الواقع المستجد وانه ليس في وارد القبول بأي تغيير او تبديل، و انه بالتالي لن يسكت حتى لو تدحرجت الامور الى حافة الهاوية او الهاوية نفسها.

 

وثمة من يرى ان الصراع بين الطرفين هو صراع ارادات وعملية عض اصابع موجعة، فالحزب ضمن قراءته المعمقة لمسار الامور في الساحة السورية ولمخاطر سيطرة اسرائيل بشكل مباشر او غير مباشر على بقعة القنيطرة، مضطر الى ملء الفراغ او اقامة خط دفاع يمنع اي تقدم اسرائيلي - تكفيري نحو العاصمة التي تصبح قريبة، فيما الاسرائيلي بات مضطرا نتيجة العلاقات التي نسجها مع بعض المجموعات المعارضة ونتيجة حسابات ورهانات عائدة اليه والى مصالحه الحيوية، الى ان يواجه اية وقائع مستجدة او اية مفاجآت، وبالتالي ان ينغمس اكثر فاكثر في لعبة الميدان السوري.

 

وبناء على كل هذه المعطيات لم يعد مفاجئا القول ان رد "حزب الله" لن يكون اعتباطيا متسرعا من خلال اطلاق بضع قذائف او صواريخ، او حتى من خلال تفجير في الميدان المبرر وهو مزارع شبعا.

 

إذاً أين سيرد الحزب ومتى وكيف؟

 

سؤال كبير الاجابة الفصل عنه محصورة بالعقل الاستراتيجي للحزب الذي يعود اليه وحده التقدير واختيار الوقت المناسب والظروف المؤاتية، خصوصا ان سيد المقاومة اعلن اخيرا ان اي رد من الآن فصاعدا سيكون منسقا لانه سيكون رد محور بكامله، وهذا كلام يقرأ على اكثر من وجه، علما ان ما من احد يمكنه ان يزعم ان زمن المواجهة الواسعة التي قد تصل الى حدود الحرب المفتوحة قد آن اوانها. في اي حال اثبت الحزب مرة اخرى انه صار قوة اقليمية تتخطى حدود الجنوب التي ضاقت عليه وبه، وانه لم يعد مستحيا بهذا الدور ولم يعد يخشى لومة لائم ما دامت اللعبة في المنطقة تخطت الحدود والسدود وتجاوزت كل القيود المألوفة.