العامل الحاسم والمقرّر في الحوار بين العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع هو الثقة المفقودة بينهما منذ لقائهما الأول في إحدى اللجان التي ألّفها الشهيد بشير الجميل في العام 1980 وصولاً إلى اليوم.

جعجع وعون يعرفان بعضهما جيداً. جمعهما وفرّقهما تاريخ طويل وحافل، والمشترك في هذا التاريخ هو عدم الانسجام وغياب الثقة. فالسؤال الأساس الذي يتبادر إلى ذهن أيّ ناشط قريب من القوات يتمثّل بالآتي: هل المشكلة في الاتفاق أم تنفيذه؟ ويستطرد بالعودة إلى محطات تاريخية أبرزها في العام ١٩٨٨، وتحديداً على مسافة ساعات من انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل وانسداد الأفق والخيارات، عندما دعا عون جعجع للدخول إلى غرفة جانبية وتعهّد له بمعاملة القوات كمعاملته للجيش، ولكن بعد وصوله إلى رئاسة الحكومة سعى لإلغاء القوات كورقة مقايضة يُغري فيها السوري للوصول إلى الرئاسة. ويذكِّر أيضاً برَفع عون كتاب «القضية» قائلاً: ما يجمعنا لا يمكن أن يفرّقه إنسان. ولكن على المقلب الآخر الوضع ليس أفضل حالاً، من اتهام جعجع في الدخول بالطائف للتخلّص من عون، مروراً بواقعة ١٣ تشرين، وصولاً إلى محطة ٢٠٠٥ وزيارة عون لجعجع في المعتقل ومَدّ يده للتحالف معه، وانتهاء بالمشروع الأرثوذكسي. وفي موازاة هذه الصورة السوداوية، هناك من يقول: لا يجوز الحكم على الإنسان وكأنه جامد في التاريخ لا يتبدل ولا يتغير ولا يتأثر بالظروف والمعطيات من حوله. ويقول أيضاً: من غير المسموح التعامل مع الانسان وكأنه حجر، لأنّ الانسان هو قيمة بحدّ بذاته، والرهان عليه واجب وضرورة. وبالتالي، لا يجوز الحكم على حوار عون وجعجع بأنه محكوم بالفشل ربطاً بتجربتهما التاريخية مهما كانت طبيعتها ونتائجها ومؤدياتها حتى اليوم. ولعلّ السؤال الذي يفرض نفسه انطلاقاً ممّا تقدم: هل عون بصيغة العام ١٩٨٨ يختلف عن عون بصيغة العام ٢٠١٥؟ وفي هذا السياق تجيب أوساط محايدة: يكفي النظر إلى هدوئه وردود فعله ومحاولته تدوير الزوايا مع كل القوى السياسية، والسبب في ذلك عائد إلى العمر ورئاسة الجمهورية، فضلاً عن أنّ عون دخل جدياًَ في مرحلة البحث، ولَو بعد عمر طويل، عمّن يَرثه سياسياً. وبالتالي، من مصلحته عدم توريث الخَلَف الخِلاف مع القوات، لأنه سيشكّل حملاً ثقيلاً على هذا الخلف في ظل غياب تكافؤ بينه وبين جعجع. وأضافت الأوساط: أدرك جعجع باكراً أنّ وصوله إلى الرئاسة مستحيل، وهو عَبّر عن ذلك بقوله إنّ طهران تمنع وصوله، فيما أدرك عون بالمقابل أنّ طريق بعبدا تمرّ في معراب، فضلاً عن أنّ وصوله في حال تفاهمَ مع جعجع يُعتبر ممكناً في ظل دعم «حزب الله» له ورَمي «المستقبل» الكرة في ملعب المسيحيين وعدم ممانعتهم وصوله. وبالتالي، من المفيد معرفة ردّ فعل الحزب على التفاهم القواتي-العوني إذا حصل، لأنه على رغم التأييد لعون، لا يبدو أنه متحمّس لوصوله. وتابعت: وعلى هذا الأساس مَدّ عون يده لجعجع بإعلان موافقته الترشح ضده حصراً في رسالة سياسية ضمنية لا رئاسية بأنه يعترف ويقرّ بحيثيته المسيحية، وانهما يشكلان معاً ثنائية حقيقية. وهذه الرسالة اعتبرها عون كافية لفتح طريق التفاهم بينهما، هذا التفاهم الذي يقوم على شرطين: التفاهم السياسي حول ثوابت وطنية مشتركة يمهّد لتفاهم حول دور كل منهما والتنسيق الذي تتطلبه مرحلة ما بعد التفاهم، لأنّ الاتفاق يعني فتح صفحة جديدة. وبالتالي، ما قبله غير ما بعده. ورأت الأوساط أنّ الحراك الدولي-الإقليمي في ملف رئاسة الجمهورية أثبت مجدداً أن لا أفق له، وأنّ الفراغ طويل، لأنّ طهران في غير وارد الضغط على «حزب الله» من أجل التقاطع مع 14 آذار على مرشح توافقي. وبالتالي، سيبقى الخيار، وحتى إشعار آخر: عون أو الفراغ، الأمر الذي يعني استمرار تغييب المسيحيين عن المعادلة الوطنية. ولكن ماذا لو تعهّد عون بإدارة رئاسية تكون على مسافة واحدة من محاور الصراع الخارجية، وتبقي لبنان جزءاً لا يتجزّأ من الشرعيتين العربية والدولية، وإدارة مسيحية تترجم الثنائية وتتوسّع لتضمّ كل القوى المسيحية بما يخدم المصلحة المسيحية-الوطنية في الدولة، فهل يصبح انتخابه ممكناً؟ كل شيء ممكن، إلّا أنّ المشكلة تبقى نفسها، أي الثقة أولاً وأخيراً، ولا يبدو أنّ عامل الوقت يسمح بترميم هذه الثقة. وبالتالي، الحل الوحيد هو في البحث عن دول راعية لأيّ تفاهم محتمَل بين الطرفين، وقد تكون الفاتيكان أفضل من يرعى تفاهماً من هذا النوع لجملة أسباب، أهمها: أولاً، حرص الفاتيكان على المسيحيين في المشرق العربي ولبنان، كما دوره في تثبيت حضورهم وتفعيله. ثانياً، الدور الذي اضطلع به البابا فرنسيس في كوبا دليل على نيّاته واستعداداته لعب أدوار لا الاكتفاء بمواقف لفظية. ثالثاً، المساعي التي بذلها ويبذلها الفاتيكان في الملف الرئاسي على أكثر من مستوى واتجاه. رابعاً، القيمة المعنوية التي يجسدها الفاتيكان تجعل التفلّت من أي تفاهم صعباً. خامساً، الفاتيكان لن تقبل أن يشوّه التفاهم الذي رَعته بممارسة تتناقض مع جوهره. ويبقى السؤال: ماذا حلّ بالطائف والدول التي تعهّدت رعاية تنفيذه؟ وماذا حلّ أيضاً باتفاق الدوحة والدول التي تعهّدت رعاية تنفيذه؟