قد تستمرّ الحرب بين «حزب الله» و«داعش» 100 عام، فتنهار المنطقة ولا تصل الحرب إلى خواتيمها، لأنّ التطرُّف يستتبع التطرُّف، والدم يستسقي الدم. ولكن، إذا قرَّر سنّة الإعتدال أن يتصدّوا لـ«داعش»، فالمواجهة قابلة للحسم. وهنا تبرز القيمة الحقيقية لهذا الإعتدال، خصوصاً في لبنان.

بعدما إصطدم «حزب الله» بجدار العمليات الإنتحارية في الضاحية والهرمل، وبدأت مواجهته الحقيقية مع «داعش» و«النصرة» في مربع عرسال- القلمون، قرَّر العودة إلى نقطة البداية، أيْ الإستعانة بخصمه اللدود تيار «المستقبل» للخروج من المأزق.

الطرفان يفهمان أصول اللعبة ويوافقان عليها: لا «المستقبل» سيتخلّى عن المحكمة الدولية ولا عن دعم المعارضة السورية، ولا «الحزب» سيسلِّم سلاحه أو المتَّهَمين أو ينسحب من سوريا. إنها فقط إدارة للأزمة، أو تبريد للمرجل حتى لا تصل درجة غليانه إلى الإنفجار.

إستعان «حزب الله» بـ«المستقبل»، وأعطاه الحصة الكبرى في الحكومة وقرارها الأمني والقضائي. لكنه لم ينجح في تعميم الحالة العراقية، حيث سُنّة «الصحوات» يواجهون سُنّة «التكفير». وقال الوزير نهاد المشنوق: «لا تنتظروا منا إنشاء «صحوات». نحن سنواجه الإرهاب وفق الأصول، وبالإعتدال».

ويُدرك «المستقبل» أنّ الإرهاب التكفيري سينقضُّ على الإعتدال السنّي ويأكله، سواء إنتصر في مواجهته مع الآخرين أم لا. ففي حال إنتصاره- وهذا صعب عملياً- ستدفعه نشوة الإنتصار إلى الإنقضاض على البيت الداخلي السنّي لتدجينه. وإذا لم ينتصر، فهو أيضاً سينكفئ إلى الداخل السنّي لتعويض الخسارة وبناء قاعدة إنطلاق جديدة.

ولذلك، يبدو «المستقبل» وسائر القوى السنّية اللبنانية منضوية تحت المنظومة التي يسميها الدكتور عبد الحميد الأحدب في كتابه الأخير «الإسلام اللبناني»، أيْ الإسلام المعتدل والمنفتح. ويندفع الإعتدال السنّي اللبناني في شكل غير مسبوق للمجاهرة بصورته، متحدِياً التطرّف والإرهاب.

هذا الإسلام السنّي اللبناني لم يردّ على عمليتَي مسجدَي السلام والتقوى. وهو كان الأكثر حماسة في 2007 لحسم الحالة الإرهابية في نهر البارد. وهو يدعم الجيش بلا حدود ضدّ الإرهاب في القلمون وعرسال، وقد دفع ثمن وقفته مع الجيش في حالة الشيخ أحمد الأسير. وهو شريك فعلي في خطة طرابلس الأمنية.

وقبل أيام، ظهر تيار «المستقبل» في طليعة المتضامنين مع الحرية، بعد عملية «شارلي إيبدو». وهو غلَّب الإعتبار الوطني لا المذهبي في مقاربته عملية جبل محسن. أما في سجن رومية فكان رأس الحربة في مغامرة تفكيك الجزر الأمنية.

لقد تجرّأ سُنَّة الإعتدال اللبناني وأعلنوا التحدّي داخل البيت السنّي، تدعمهم مرجعية دار الفتوى الجديدة وتشاركهم هذا التحدّي، مع أنه ليس سهلاً عليها. فالمعركة التي يخوضها المتشدِّدون تقوم أساساً على عناوين دينية.

ومن سخريات القدر أن يتخذ الرئيس سعد الحريري وقياديّون في «المستقبل» إحتياطات أمنية، وبعضهم يخشى العودة إلى لبنان لئلّا يستهدفه محور طهران- دمشق، فيما هم يخوضون مواجهة أكثر جرأة مع «داعش»، العدوّ المفترَض لهذا المحور!

فالمشنوق قاد، من داخل سجن رومية، الحسم مع مجموعات إسلامية متطرّفة. ولم تكن هذه العملية لتحظى بالتغطية لو لم ينفذها وزير سنّي، من أبرز وجوه «المستقبل». كما أنّ الخطة الأمنية في طرابلس لم تكن لتحظى بالغطاء، لولا الدعم المباشر للوزير أشرف ريفي.

ويمضي «المستقبل» في دعمه المطلق للجيش في عرسال وصيدا- عين الحلوة ومواجهة الخلايا الإرهابية. وهو رأس الحربة في تنظيم دخول السوريين إلى لبنان وإقامتهم فيه. وبعد، فهو يجلس إلى طاولة الحوار مع «حزب الله»، مستعداً لقبول التسويات.

إذاً، هناك طاقة يجب إستثمارها في لبنان هي «طاقة الإعتدال السنّي» التي أصبحت مادة نادرة في العالمَين العربي والإسلامي. ويمكن إستثمار هذه الطاقة لإخراج لبنان من مأزق إرتباطه بأزمات الشرق الأوسط. ويجب أن يكون الشيعة اللبنانيون، بمَن فيهم «حزب الله»، أول المستفيدين من هذه الطاقة. فالإسلام اللبناني يُفترض أن يقوم بشقَيه السنّي والشيعي.

ولذلك، ستكون خسارة جديدة للبنان التعاطي في خفَّة أو إنتهازية مع الإعتدال السنّي. وقد ذاق البعض مرارة البحث عن بدائل من هذا الإعتدال. فحذارِ إحباط الإعتدال السنّي مجدَّداً في مرحلة الآتي الأعظم!