الإنجاز الذي حققته الحكومة في سجن رومية هو مزدوج: إنجاز من طبيعة وطنية يصبّ في مصلحة الدولة اللبنانية، وآخر من طبيعة سنية يصبّ في مصلحة تيار «المستقبل».

سجن رومية يُعطي صدقية لمقولة إن لبنان بلد العجائب، إذ كيف يعقل أن يكون السجن بإدارة السجناء أو مجموعة منهم على أقل تقدير، وأن يكون السجين، الذي يفترض أن يكون فاقداً للإرادة، متمتعاً بكامل قدراته باستثناء هامش حركته الشخصية؟ فالسجن هو سجن، بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، إلّا في لبنان نتيجة ضعف الدولة وإهمالها، الأمر الذي سمح بتحوّل قسم من هذا السجن إلى موقع نفوذ حيكت حوله الأساطير إلى درجة أنّه قد يكون لهذه «المجموعة» يد بارتكاب جريمة باريس الإرهابية. فتراخي الدولة سمح لهذه «المجموعة» بالتواصل مع بيئتها في ظروف اشتباك سني-شيعي داخلي (إسقاط «حزب الله» حكومة الرئيس سعد الحريري) وخارجي (الأزمة السورية وقتال الحزب في سوريا)، الأمر الذي منحها الحصانة والهامش الواسع من الحركة. ولكن ما لم تدركه هذه المجموعة أنّ الامتيازات التي حصلت عليها نتيجة الظروف المُشار إليها بدأت عدها العكسي منذ لحظة تأليف حكومة الرئيس تمام سلام. فتأليف الحكومة الذي حصل نتيجة تقاطع سعودي-إيراني تولى «حزب الله» و«المستقبل» ترجمته بُنِي على عاملين: وقف «حزب الله» تدخّله في الطائفة السنية ومنحها الضوء الأخضر في ممارسة دورها داخل بيئتها مقابل أن يعمل تيار «المستقبل» على مواجهة التطرف السني الذي هدّد أمن البيئة الشيعية، وعلى هذا الأساس تسلّم «المستقبل» الحقائب الأمنية والقضائية زائد الحكومة من أجل ترجمة هذا الاتفاق. وهذا الاتفاق لا يستفيد منه «حزب الله» فقط، بل كل اللبنانيين الحريصين على استقرار لبنان وتحييده عن أزمات المنطقة وتحديداً سوريا، فضلاً عن أنّ الطرف الذي يتحمّل هز الاستقرار هو الحزب الذي أسقط حكومة الحريري وذهب في المواجهة إلى النهاية، خصوصاً أن «المستقبل» و١٤ آذار يدركون جيداً موازين القوى  القائمة التي يشكل ضربها ضرباً للاستقرار في لبنان. وفي ضوء هذا الاتفاق نجح «المستقبل» بالتخلّص من قادة المحاور الذين كادوا أن يتحولوا إلى مرجعيات سياسية تنوب عن مرجعيته داخل البيئة السنية. وبالتالي، أنهى حالة التطرف التي كانت بدأت تنتظم وتتشكّل، كما نجح في إعادة تحجيم الحالة السنية القريبة من سوريا والحزب، والتي كانت أيضاً تحاول شق طريقها لتتحوّل إلى أمر واقع مقبول داخلياً ودولياً، وعربياً، على مضض. وفي هذا السياق بالذات كان من المتوقع أن تأتي ساعة الصفر لتدجين الحالة الإسلامية في سجن رومية، والتي لا تخرج عن الحالتين السابقتين: حالة التطرف، والحالة السورية، وذلك لاستكمال «المستقبل» إمساكه بكلّ مفاصل الشارع السني الذي خرج نسبياً عن سيطرته في السنوات الثلاث الأخيرة. وبنجاح «المستقبل» في ضبط الاستقرار والتصدي للمتطرفين وتوفير الغطاء للجيش والأجهزة الأمنية بالقيام بكلّ ما يلزم للقضاء على البؤر الإرهابية، يكون قد وضع الكرة في ملعب «حزب الله» الذي لا يستطيع أن يكتفي بالتفرّج على إجراءات «المستقبل» من دون القيام بأيّ خطوات وتنازلات، لأنّ خلاف ذلك لا يعني تهديداً فقط للحوار الذي انطلق بين الجانبين وللحكومة نفسها، بل لأنّ المتضرر الأول منه هو الحزب نفسه، خصوصاً أنّ أحداً لا يطالبه بخطوات من طبيعة استراتيجية تتصل بدوره الإقليمي وقتاله في في سوريا وسلاحه، إنما تتعلق بدور سرايا المقاومة ومَدّ الخطة الأمنية من الشمال إلى البقاع. وتبقى ثلاث ملاحظات: الملاحظة الأولى أنّ ما تحقق في سجن رومية هو إنجاز لمصلحة الدولة اللبنانية كهيبة ومؤسسات ودور وصلاحيات، ويصبّ هذا الإنجاز في مصلحة نهاد المشنوق الذي يبني صورة رجل الدولة القادر على التنفيذ، والذي يقف من موقعه الدولتيّ على مسافة واحدة من كل اللبنانيين. الملاحظة الثانية أنّ ما تحقق في رومية كان يستحيل على أي وزير تحقيقه من دون الغطاء السياسي السني. الملاحظة الثالثة أنّ «المستقبل» لن يتأثر أو يضعف في مواجهة المتطرفين داخل بيئته لسببين: لأنّ سنّة لبنان غير سنّة سوريا والعراق، ولأنّ «المستقبل» يشبه ميشال عون في الساحة المسيحية لا الشهيد إيلي حبيقة، بمعنى انه يستطيع أخذ الشارع في الاتجاه الذي يريد.