سارع «حزب الله» إلى «إدانة الجريمة المروّعة التي ارتكبها الإرهاب التكفيري في منطقة جبل محسن في طرابلس»، فيما تجاهل «إدانة الجريمة المروّعة التي ارتكبها الإرهاب التكفيري» نفسه في باريس بحق «شارلي إيبدو». فماذا يعني أن يدين الحزب في الأولى ويتجاهل في الثانية؟

الإرهاب إرهاب. فلا يوجد إرهاب بسمنة وآخر بزيت. ولا يوجد إرهاب مقبول وآخر مرفوض. ولا يوجد إرهاب مبرَّر وآخر مستنكَر. كما أنّ السكوت وغضّ النظر عن أيّ عمل إرهابي يخدم أهداف القوى الإرهابية ويمدّهم بالغطاء السياسي والأسباب التخفيفية لإجرامهم. وما حصل في باريس لا يمكن تجاهله والتغاضي عنه والتعامل معه وكأنه غير موجود أو على طريقة التلميح التي اعتمدها السيد حسن نصرالله بقوله: «النوبة الإرهابية» وصلت «إلى الدول التي صدّرت الإرهابيين إلينا وأعطتهم الفيزا وقدمت لهم التسهيلات، وهذا كان متوقَعاً وقيل منذ الأيام الأولى». ووضع الممارسات المشينة والشنيعة والعنيفة واللاإنسانية والوحشية لبعض الجماعات الإرهابية والتكفيرية «التي تنسب نفسها إلى الإسلام ورسوله في خانة الإساءة للإسلام أكثر مما أساء إليه أعداؤه». ففي الشق الأول من حديثه حمّل فرنسا وغيرها من دون أن يذكرها أو يذكر غيرها بالاسم مسؤولية ما أصابها، بل سخر منها لأنها لم تكن تدرك ما كان متوقَعاً منذ اللحظة الأولى بأنّ الإرهاب الذي صدَّرته سيرتدّ إليها. وفي الشق الثاني كلام مكرَّر منذ ظهور «داعش» ويرمي إلى تبييض صورة الحزب أمام المجتمع الدولي وتصوير نفسه بأنه الأقدر على مواجهة تلك الجماعات الإرهابية. ولكن ألا تستحق جريمة «شارلي إيبدو» بيانَ إدانة واضح من «حزب الله»؟ وماذا يعني رفض الحزب إصدار بيان من هذا النوع؟ لا شك أنّ الالتباس الذي أراده هو متعمَد لكي يدين ولا يدين في الوقت نفسه، بمعنى أنه لا يريد عبر إدانته الظهور وكأنه يبرِّئ ويدافع ويغطي الرسوم الكاريكاتورية التي أساءت للنبي محمد، ولا يريد أيضاً المرور على الحادثة وكأنها لم تكن، وبالتالي تقَصَد التلميح والالتباس. إلّا أنه كان باستطاعة «حزب الله» بكلّ بساطة أن يدين الجريمة الإرهابية، وأن يُضمِّن بيانه انتقاداً واضحاً لهذا النوع المبتذَل من الحرية والصحافة، فيكون بذلك أرضى جمهوره المعبَّأ ضدّ تلك الرسوم، وظهر أمام العالم بأنه يتقاطع معه في مواجهة الإرهاب، فيما موقفه الملتبس أظهر مجدَّداً أنّ هناك مشكلة أعمق مع الحزب وتتصل باختلاف المعايير والرؤية الموحَدة حول ما يُسمى بديهيات. وقبل توحيد المعايير واللغة الإنسانية المشترَكة يصعب الوصول إلى تفاهم جدّي مع الحزب الذي يريد أن يترك لنفسه هامشاً واسعاً من دون التقيد والالتزام بمفاهيم محدَّدة، وما ينطبق على الإرهاب ينسحب على سلاحه ودوره ونظرته إلى معنى وجود دولة وسيادة واستقلال وعيش مشترَك. وفي وقت أبدى السيد نصرالله ارتياحه إلى المرحلة التي وصلت إليها البلاد وتحديداً في ظلّ حواره مع تيار «المستقبل» وحوار حليفه «التيار الوطني الحر» مع «القوات اللبنانية»، إلّا أنّ موقفه التصعيدي والمتشدِّد من البحرين لا يخدم الأهداف المرجوَة من الحوار، لأنّ الاحتقان السنّي-الشيعي مردّه بشكل مباشر إلى دور الحزب في ثلاثة ملفات: دوره الخارجي من قتاله في سوريا إلى التدخل في الشؤون العربية، العراق، البحرين، اليمن، مصر... تمسكه بسلاحه في الداخل ورفضه حتى البحث في دور سرايا المقاومة التي لا علاقة لها بالمواجهة مع إسرائيل. رفضه التعاون مع المحكمة الدولية ووصفه المتهمين باغتيال الشهيد الحريري بالقديسين. فالاحتقان مردُّه إلى هذه العوامل الجوهرية الثلاثة، وبالتالي كان من الأجدى أن يعلِّق الاشتباك السياسي في هذه المرحلة إذا كان حريصاً على الاستقرار في لبنان، لأنه خلاف ذلك سيضاعف الحمل على «المستقبل» داخل بيئته، فليس تفصيلاً أن يكون الانتحاريان اللذان استهدفا «جبل محسن» من طرابلس نفسها، أيْ صناعة لبنانية ١٠٠٪، ما يعكس طبيعة المزاج داخل هذه البيئة. فهذا التفجير الإرهابي يؤشر إلى دخول لبنان في مرحلة أمنية جديدة، خصوصاً إذا ما تمّ الأخذ في الاعتبار بيان جبهة «النصرى» الذي تبنّى العملية وكشف أنه جرى تدريب الانتحاريَين في «القلمون السورية وإرسالهما إلى طرابلس لتنفيذ العملية»، وبما أنه يصعب أن يكون التدريب اقتصر على طه كيال وبلال إبراهيم، بل يُفترض أن يكون شمَلَ مجموعة أكبر، ما يعني توقع المزيد من العمليات الإرهابية، الأمر الذي يتطلّب عدمَ الاكتفاء بالإجراءات الأمنية، إنما تظليلها بأجواء سياسية مؤاتية.