دخلَ لبنان في عام 2014 تهدئةً سياسية لم يَعرف لها مثيلاً منذ العام 2005، فاستُهلّ بحكومة وانتهى بحوار. وحيالَ هذا المشهد غير المألوف في الحياة السياسية برز داخل 14 آذار وجهتا نظر: وجهة مؤيّدة لهذا التوجّه، وأخرى معترضة عليه.

الفريق المؤيّد للتبريد السياسي يقول بأنّ 14 آذار انتقلت بعد إخراج الجيش السوري من لبنان وإقرار المحكمة الدولية، من الفعل إلى ردّ الفعل، لثلاثة اعتبارات: الاعتبار الأوّل، لأنّ الوجود السوري كان يعطّل الحياة السياسية ويغطّي المشكلة اللبنانية المتمثّلة بسلاح «حزب الله». الاعتبار الثاني، لأنّ المحكمة الدولية كانت ضرورةً لوقف الجريمة السياسية ومعاقبة المجرمين. الاعتبار الثالث، لأنّ سلاح الحزب غير قابل للحلّ لبنانياً، والتسوية بشأنه من طبيعة خارجية لا داخلية. فما ينطبق على الجيش السوري والمحكمة لا ينسحب على سلاح الحزب، فهو على استعداد لإحراق لبنان دفاعاً عن سلاحه، وبالتالي فإنّ مواصلة سياسة الفعل مع الحزب تقود إلى الحرب والانفجار، وواهمٌ كلّ مَن يعتقد بسياسة تسجيل النقاط عليه، أو بتقدّم مشروع الدولة على الدويلة من خلال الاحتكام إلى سياسات حكومية ومجلسية وأمنية، لأنّه، في اللحظة التي يشعر فيها بالخطر، قادرٌ على قلبِ الطاولة رأساً على عقِب. وبما أنّ 14 آذار على استعداد لأيّ تنازُل شرط إبعاد كأس الحرب الأهلية، فقد وضعَت نفسَها في موقع ردّ الفعل، وسَعت إلى تحييد السلاح عبر ترحيله إلى هيئة الحوار، إلى حين تستوي ظروف الحلول الخارجية. فالستاتيكو الذي سَعت إليه من خلال التحالف الرباعي واتّفاق الدوحة والـ«سين-سين» كان «حزب الله» هو المبادر دوماً إلى كسره، في محاولةٍ لإعادة البلاد إلى زمن الوصاية السورية، الأمر الذي كان يضع 14 آذار في الموقع الهجومي دفاعاً عن ما تحقّقَ مع الانسحاب السوري من لبنان. فالمعادلة التي وضعَتها 14 آذار واضحة تماماً: المرحلة السياسية التي نشأت مع اغتيال الشهيد رفيق الحريري وانتفاضة الاستقلال هي خَطّ أحمر، فإذا احترَم «حزب الله» هذه المعادلة يمكن تنظيم المساكنة معه حتى إشعار آخر، لأنّها ليست في وارد الذهاب أبعد من ذلك بخطوات انتحارية تتّصل بالمواجهة مع سلاح الحزب، وفي حال حاولَ الانقضاضَ على معادلة العام 2005، فهذا يعني الدخول في مواجهة سياسية مفتوحة، والأمثلة في عشر السنوات الأخيرة أكثر من أن تُعَدّ وتحصى. ويضيف الفريق المؤيّد للتبريد: طالما إنّ «حزب الله» سَلّم أخيراً بهذه المعادلة، بمعزل عن الظروف المعلومة التي دفعَته إلى ذلك، فلم يكن بوسعِ 14 آذار إلّا التقاط هذه الفرصة لتنظيم التعايش وترسيخ الاستقرار بانتظار ما سترسو عليه المفاوضات الدولية مع إيران. فمصلحةُ اللبنانيين هي في تحييد بلدهم وتنظيم خلافاتهم حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا. وأمّا الفريق المؤيّد للتسخين السياسي فيقول: الأمور ليست أبيض أو أسود، بمعنى ليست محصورة بين خيارَي المساكنة مع «حزب الله» أو الحرب الأهلية، لأنّ الخيارين المذكورين مرفوضان، فيما هناك خيارٌ ثالث يتمثّل بمواصلة المواجهة السياسية مع «حزب الله»، باعتبار أنّ التطبيع معه يؤدّي إلى الآتي: أوّلاً، الاسترخاء السياسي، إذ لا يمكن التعاطي مع المناضلين وكأنّهم أدوات يتمّ تشغيلها أو إطفاؤها وفق اللحظة والمرحلة والمصلحة. ثانياً، تعويد الناس على التعايش مع وضعٍ غير طبيعي وكأنّه طبيعي، الأمر الذي سيجعل أيّ مواجهة سياسية مستقبلية غيرَ مفهومة بالنسبة إلى الرأي العام الذي سيحمّل 14 آذار مسؤولية كسرِ الستاتيكو على طريقة ماذا عدا ممّا بدا؟ ثالثاً، ترييحُ المجتمع الدولي ورفعُ أيّ مسؤولية عنه لحلّ الأزمات الساخنة، لأنّ هذا المجتمع غير مضطرّ للقيام بأيّ جهد طالما إنّ اللبنانيين نجحوا بإدارة خلافاتهم، وطالما إنّ «حزب الله» لا يشكّل تهديداً جدّياً لإسرائيل. فهذا التطبيع يحوِّل الوضعَ المؤقّت إلى دائم، ويعطّل الديناميتين الداخلية والخارجية نحو التغيير، خصوصاً أنّ هذا الوضع، إذا لم يتهوّر «حزب الله»، يُعتبَر مثالياً بالنسبة إليه، لأنّه يمسِك بقرار الحرب ويحتفظ بسلاحه ويواصِل دورَه الخارجي، ويَظهر أمام الخارج بمظهر القادر على التفاعل والتعايش مع محيطه. فسياسة ربط النزاع مع الحزب هي الوحيدة التي تحفَظ حق اللبنانيين باستعادة سيادتهم واستقلالهم، وتُبقي عصبَ المواجهة قائماً، وتسلّط الضوء على وجود مشكلة جوهرية، من دون حَلّها سيبقى لبنان مساحة نزاع متفجّرة. ويجب التمييز بين نزعِ سلاح «حزب الله»، غير المطروح أصلاً، وبين التطبيع معه، الأمر الذي لا يجب أن يكون مطروحاً أيضاً، ومن ثمّ مَن قال إنّ عدم التطبيع يعني الحرب التي تنعكس سلباً على الحزب بالدرجة الأولى؟ فالمطروح هو ربطُ النزاع للقول إنّ ثمّة أزمة كبرى في لبنان تتطلّب معالجة اليوم قبل الغد، وإلّا فسيبقى القرار اللبناني مصادَراً ومخطوفاً ومغيَّباً... فأيّ رأي أفضل من الآخر ويخدم أهداف انتفاضة الاستقلال عشية الذكرى العاشرة لانطلاقها؟