ساهم النائب وليد جنبلاط في صناعة الحوار السنّي - الشيعي، بل هو المحرّض الأول على الفكرة. لكن ذلك لا يريحه من القلق. فالمتحاورون يجب ألّا ينسوه خارجاً، فيصبح مادة للحوار لا ركناً من أركانه. وفي عبارة أخرى، هو يخشى أن يصبح الدروز كالمسيحيين في موقع المتلقّي: الآخرون يقرِّرون وهم يتبلّغون!

يهادن جنبلاط «حزب الله»، يفتح خطوطه على «المستقبل» ويلتصق برئيس مجلس النواب نبيه بري، «أستاذ» التسويات والمخارج والرجل الأقوى في السلطة. ولم تنسَ السعودية أنه أسقط الحكومة الحريرية، لكنها مستعدة لاستقبال نجله تيمور والوزير وائل أبو فاعور. وفي اقتناع جنبلاط أنّ لعبة المسافات الدقيقة بين القوى الداخلية والخارجية تتكفّل ببقائه، وبقاء الدروز، داخل المعادلة، فلا يمرّ شيء من دون علمهم أو على حسابهم. لقد أقنع جنبلاط «حزب الله» بتعويم الاعتدال السنّي لمواجهة التطرف، فاقتنع. ونصح «المستقبل» بمحاورة «الحزب» من دون التطرق إلى السلاح والتورّط في سوريا وانتظار المحكمة، فاقتنع أيضاً. ثم ربط دوره الوسطي ببري، راعي الحوار ومضيفه.ففي ذلك يضمن عدم مرور شيء يفاجئه. ومبدئياً، لا شيء يخشاه جنبلاط من الحوار، ما دام حواراً للحوار، أي لتنفيس الاحتقان المذهبي لا لمعالجة الملفات كرئاسة الجمهورية وقانون الإنتخاب. ولكن لا شيء يمنع أن تمرّ صفقة ما، إذا وجد الطرفان المذهبيان أنها ناضجة وتناسب الجميع. وهنا، يريد جنبلاط أن يحتاط للمفاجأة، وأن يكون موقعه مضموناً. عندما شاءت تركيبة لبنان الكبير الديموغرافية أن تُحوِّل الدروز من أمراء الجبل إلى طائفة قليلة العدد، بَدّل آل جنبلاط استراتيجيتهم. ولم يكن الراحل كمال جنبلاط زعيماً لطائفته فحسب، بل لـ»الحركة الوطنية». وكان هاجس نجله وليد بعد «اتفاق الطائف» أن يحظى بحصة وازنة ومتنوعة طائفياً في المجالس النيابية المتعاقبة، سعياً إلى تكريس دور يتخطى الطائفة. فالهجوم هو الوسيلة الفضلى للدفاع. وعندما خرج السوريون عام 2005، أنجَز جنبلاط «معجزة» «الحلف الرباعي» الاضطرارية بين السنّة والشيعة، والتي أرادها كل طرف محطة مرحلية، ريثما تسمح له الظروف بحسم المعركة ضد الآخر. ومع 7 أيار 2008، بدأ جنبلاط يعيد التموضع مراعياً التوازنات المستجدة. ومع الحرب السورية وثبات الرئيس بشّار الأسد في موقعه، كرّس جنبلاط موقعه المتوازن داخلياً، وأضيف إليه هاجس المصير الدرزي في سوريا. عند انطلاق الحرب السورية في آذار 2011، حاول جنبلاط أن يكون الوسيط، بتسويقه مبادرة لدى أصدقائه الروس، تقضي بتعديلات أساسية في النظام تؤدي عملياً إلى التغيير المبرمج والهادئ. لكنّ الوساطة فشلت بسبب تشبُّث الأسد بالسلطة بلا أيّ تنازل. وفي معزل عن رغبات جنبلاط «التاريخية» بالثأر من النظام، لاتهامه باغتيال الوالد كمال جنبلاط والحليف رفيق الحريري وآخرين، فإنّ نقمة الزعيم الدرزي على الأسد ازدادت بسبب رفضه الوساطة. كان حلم جنبلاط أن يسوِّق تسوية تاريخية على المستوى الإقليمي تتيح له وللدروز دوراً للمرحلة المقبلة من تاريخ سوريا ولبنان. فبالنسبة إليه، السبيل إلى الحفاظ على مصير الأقلية الدرزية لا يكون بالانقسام بين المحورين المذهبيين السنّي والشيعي، كما يفعل المسيحيون، بل بتجرّؤ الدروز على تأدية الأدوار الأساسية وعلى فرض موقعهم داخل المعادلة. ويريد جنبلاط بطروحاته أن يبعث بإشارات ورسائل إلى الذين يعنيهم الأمر. ففي ملف العسكريين المخطوفين مثلاً، يذهب إلى الحد الأقصى في المقايضة غير المشروطة، لسببين: الأول هو تكريس دوره الوسطي، والثاني هو التخفيف من حدة النقمة لدى «داعش» و»النصرة» تجاه الدروز السوريين والعسكريين الدروز المخطوفين. في كثير من المسائل، نجح جنبلاط في الحفاظ على الحدّ الأقصى من الدور والموقع له ولطائفته، في مرحلة الوصاية السورية على لبنان وبعدها، واحتاج الأمر إلى كميات هائلة من البراغماتية. واليوم، في زمن الانهيارات الإقليمية الكبرى، يبدو جنبلاط أمام التحدّي الأشدّ صعوبة في تاريخ الدروز، في لبنان وسوريا. والأمر يحتاج إلى كميات أكبر من البراغماتية. والأرجح أنّ في المختارة مخزوناً تاريخياً وافراً منها.