لم ينتظر العماد ميشال عون الاجتماع الثاني أو الثالث للّجنة النيابية المكلّفة وضعَ قانون انتخاب جديد من أجل أن يدعوَ الرئيس نبيه برّي إلى عقد جلسةٍ لمجلس النوّاب لتفسير الدستور في ما يخصّ المادة 24 التي تتحدث عن المساواة بين المسيحيين والمسلمين في قانون الانتخاب، إنّما تقصّدَ ذلك لحظة انطلاق النقاش، لأنّ التفسير، بنظره، يشكّل ممرّاً إجبارياً لقانون الانتخاب.كان بإمكان العماد عون أن يجعل دعوته إلى الرئيس برّي طبيعية في سياق النقاش واحتدامه على خلفية التمثيل المسيحي، ولكنّها جاءت مفتعَلة بهدف تسجيل اعتراض مسبَق على أيّ بحث في قوانين الانتخاب ما لم يُصَر إلى توضيح جوهر المادة 24 من الدستور.وما يريد عون الوصول إليه معروف وسيختصره بالسؤال الآتي: هل التساوي المنصوص عنه بين المسيحيين والمسلمين هو تساوٍ شكليّ أم فعليّ؟ وسيستتبع هذا السؤال بالجواب الآتي: إذا كان التساوي فعلياً نريد 64 نائباً مسيحياً منتخبين بإرادة مسيحية، وإذا كان شكلياً لن نساهمَ في ضرب التمثيل المسيحي، وسنُحمِّل الكتلَ المسيحية مسؤولية تغطية هذا التهميش اللاحق بالمسيحيين منذ العام 1990.وبما أنّ التساوي الفعلي غير ممكن إلّا بواسطة الأرثوذكسي، أي من خلال انتخاب كلّ طائفة لنوابها، وبما أنّ الأرثوذكسي مرفوض إسلامياً، فيعني عوداً على بدء بافتعال اشتباك مسيحي-إسلامي لشَدّ عصَب المسيحيين من باب أنّ «التيار الحر» هو الوحيد الذي يريد تحصيلَ حقوق المسيحيين، وبالتالي محاولة تعويضية عن تغطيته لسلاح «حزب الله» والتكامل الوجودي معه، وحرف النقاش باتّجاه آخر.ولكن من هنا إلى أين؟ رفض «التيار الوطني الحر» البحث في أيّ قانون خارج الأرثوذكسي من أجل الإبقاء على قانون الستّين. فالاستراتيجية العونية الانتخابية أصبحَت مكشوفة: المزايدة أرثوذكسياً لتحسين التمثيل العوني لا المسيحي على أساس القانون الحالي.فالعماد عون لن يفرِّط بسهولة بقانون الستّين الذي له كلّ الفضل في منحِه هذا التكتّل الفضفاض من جزين إلى بعبدا وصولاً إلى جبيل، بل سيسعى انطلاقاً من هذا القانون والمزايدة الأرثوذكسية إلى تحقيق اختراقات في بيروت وزحلة.فالعماد عون لا يريد في العمق الأرثوذكسي، لأنّ المنافسة المسيحية-المسيحية لم تعُد لمصلحته، وهو يلتقط جيّداً الإشارات الوافدة من الانتخابات الطالبية سَنةً بعد سَنة والتي تُعبّر عن مزاج الجيل الجديد الذي ابتعَد عن الحالة العونية، كما الإشارات النقابية التي لا يمكن الاستهانة بها، وبالتالي يفضّل في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ «التيار الوطني الحر» عدمَ المجازفة بالذهاب نحو خيار انتخابي مؤشّراتُه غير مطمئنة.ومن سلبيات المنافسة المسيحية-المسيحية، بالنسبة إلى عون، أنّها تكشف حقيقة الأحجام داخل البيئة المسيحية، الأمر الذي يريد تلافيَه كونه سيفضي إلى نتيجتين: تراجُع حجم تكتّله النيابي، وسقوط وَهم أنّه الأكثر تمثيلاً، وهذا العامل هو من أبرز العوامل التي يستند إليها لتبرير احتجازه رئاسةَ الجمهورية. ولذلك لن يكون في وارد حرقِ ورقةٍ أساسية من أوراقه، إنّما سيَعمد بالتأكيد إلى وضع الأرثوذكسي في مواجهة المشروع الجديد لمصلحة استمرار الستّين.فوظيفة المادة 24 إذاً الإطاحة بالمساعي للتوصّل إلى قانون جديد، فيما مسؤولية اللجنة التوافق على مشروع مشترَك أو طرح كلّ المشاريع على التصويت في الهيئة العامة من أجل الخروج لمرّة واحدة ونهائية بقانون ثابت للانتخابات.وكان الأولى بالتيار الحر لو كان ضنيناً فعلاً على التمثيل المسيحي الفعلي أن يتجاوز اعتباراته الشخصية ويقفَ إلى جانب مشروع «القوات» و«المستقبل» و«الاشتراكي»، ويُقنع حليفَه به أيضاً، لأنّ مصلحة المسيحيين تكمُن في الذهاب إلى مشروع انتخاب لا يتناقض مع الصيغة اللبنانية ويمنحهم الحدّ الأقصى من التأثير في وصول نوّابهم.وفي هذا السياق قد يكون مفيداً الأخذ بالملاحظات التي أوردَها الرئيس أمين الجميّل لجهة إعادة النظر باعتبار القضاء هو الدائرة الانتخابية على المستوى الأكثري، وذلك إفساحاً في المجال أمام منافسة جدّية في جزين وبعبدا وجبيل وغيرها من الأقضية.فأيّ عرقلة لتحقيق أحد ركائز الشراكة وإنتاج السلطة يتحمّلها «التيار الوطني الحر»، لأنّ الأرثوذكسي مرفوض إسلامياً ويشكّل عاملَ انقسام مسيحياً ويتناقض مع الصيغة اللبنانية، فيما الفرصة متاحة اليوم لإقرار قانون يعطي المسيحيين الحَدّ الأقصى من التمثيل، ويطوي صفحة الغُبن التي عانوا منها اعتباراً من العام 1990، وبالتالي من الخطيئة بمكان تفويتُ هذه الفرصة.وقد تشكّل إعادة تكوين السلطة مدخلاً للمسيحيين بغية الانتقال من مرحلة البحث عن حجمهم داخل النظام السياسي بعد التهميش الطويل اللاحق بهم، إلى مرحلة ترجمة دورهم الوطني داخل المؤسسات، خصوصاً أنّ هذا الدور لا يمكن أن يتمظهرَ إلّا مؤسساتياً بدءاً من رئاسة الجمهورية وصولاً إلى مجلسي النواب والوزراء، وبالتالي فإنّ قانون الانتخاب يشكّل حجرَ الزاوية في هذا المجال.