المؤشّر الأساس لانطلاق التسوية الرئاسية هو العماد ميشال عون، فضلاً عن عوامل وعناصر ومعطيات أخرى، منها داخلية وأخرى خارجية، ولكنّ الأكيد أنّ العد العكسي لانتخاب رئيس جديد للجمهورية قد بدأ، وهذا العد العكسي حده الأقصى الربيع المقبل.

أدرك العماد عون باكراً أنّ انتخابه رئيساً شَرطه أن يكون على مسافة واحدة من السنة والشيعة، من الرئيس سعد الحريري والسيد حسن نصرالله، من السعودية وإيران، لأنّ دقة التوازنات المحلية والإقليمية لا تسمح بوصول رئيس حليف للسنة، ولا رئيس حليف للشيعة، لأنّ أيّ رئيس من ٨ أو ١٤ آذار سيؤدي إلى تغليب طرف على آخر، الأمر الذي لن يسمح به أيّ من الفريقين، وفي حال حصوله من قبيل انتخاب رئيس من ١٤ آذار، على سبيل المثال، ستكون البلاد أمام احتمالين: عزل الرئيس بالحد الأدنى على غرار ما حصل في الأشهر الأخيرة من ولاية الرئيس ميشال سليمان، وشَلّ البلاد وتعطيلها بالحد الأقصى على غرار مرحلة خروج الوزراء الشيعة من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى. وأمّا في حال وصول رئيس من ٨ آذار فهذا يعني الدخول في اشتباك بين الرئاستين الأولى والثالثة، وانعكاس هذا الاشتباك على مجلس الوزراء مجتمعاً، واستطراداً على الاستقرار السياسي في استعادة لحقبة المساكنة بين الرئيس إميل لحود وقوى ١٤ آذار. ومن هذا المنطلق بادر عون إلى الحوار مع الحريري والسعودية، وأوحى بتمايز مع «حزب الله»، وأطلق مواقف تدعم تموضعه الجديد وتعزّزه، وأعلن بشكل واضح أنّ مشروعه قائم على ركيزتين: ركيزة مسيحية وأخرى وطنية، بمعنى أنّ الأكثر تمثيلاً لدى المسيحيين هو الأقدر على الوَصل بين «المستقبل» و»حزب الله». ولكنّ ثلاث عقبات اعترضت المسار الذي خَطّه عون لنفسه: العقبة الأولى مسيحية، حيث أنّ تجاهله الرئيس أمين الجميل والدكتور سمير جعجع وَلّد انطباعاً بأنه يريد شطبهما من المعادلة الوطنية-المسيحية من خلال إبعاد «المستقبل» عنهما، والوصول إلى رئاسة الجمهورية برافعة سنية-شيعية وقاعدة مسيحية من دون الأخذ في الاعتبار التوازن المسيحي-المسيحي الذي يختلّ بانتخابه، الأمر الذي جعل منع وصوله مسيحياً بديهياً، علماً أنه كان باستطاعته، ولَو إعلامياً، إحراج جعجع والجميّل عبر قيامه بزيارتين لهما في معراب وبكفيا تحت عنوان دعم ترشيحه لفتح مسار الرؤساء التمثيليين الذي يبدأ معه ويستكمل مع غيره، وهذا العنوان يجذب القواعد المسيحية. ولكن تأسيساً على كل التجارب السابقة لا يستطيع عون التعايش مع قوى مسيحية أخرى على قاعدة الشراكة والندية. العقبة الثانية وطنية بأبعاد خارجية، إذ إنّ الشك بتموضعه المستجِدّ بقي قائماً، وهذه العقبة لا يمكن تجاوزها إلّا بعد التثبّت من حقيقة مواقفه، لأنّ أيّ مجازفة ستؤدي إلى قلب المشهد الداخلي رأساً على عقب، وقد أثبتت الأحداث انه لم يغادر خياره الاستراتيجي المتصِل بتحالفه مع محور الممانعة. العقبة الثالثة تتصِل بـ«حزب الله» الذي لم يمارس أيّ ضغط لإيصال عون، ولكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يخسر تحالفه معه، إلّا أنّ ثلاثة تطورات دفعت الحزب إلى تبديل موقفه بشكل غير علني: التطور الأول، الحقبة الداعشية التي جعلت حاجته إلى السنّي أكثر من المسيحي. فالمعادلة لم تعد ٨ و ١٤ آذار بقدر ما أضحَت معادلة سني-شيعي، وبالتالي مصلحته تكمن في التحالف مع «المستقبل» من أجل أن يتكفّل بالمواجهة مع التكفيريين. التطور الثاني يكمن في موقف عون المؤيّد للفراغ في السلطة التشريعية والرئاسة الثانية، والذي اعتبرته الثنائية الشيعية بمثابة الاعتداء عليها إلى درجة أنه تخطّى ١٤ آذار بمسافات، ومحاولة الحزب التخفيف منها ترمي لعدم إبراز التناقض بينهما. التطور الثالث يتمثّل بالانتقال من الحاجة إلى الثلث المعطل داخل الحكم إلى الميثاقية التي أعطَته حق الفيتو وحرّرته من أيّ تحالف. تأسيساً على ما تقدّم، فالعماد عون الذي أدرك جيداً أنّ وصوله إلى بعبدا يتطلب التموضع الوسطي، لا يمكن أن يتخلى عن وسطيته ويعود إلى «التفاهم» و«الاندماج الوجودي» مع «حزب الله» إلّا في حالة واحدة وهي أنه تأكد أنّ انتخابه أصبح مستحيلاً، وأنّ هناك تسوية رئاسية في الأفق يتمّ تهيئة ظروفها، ما دفعه إلى الانتقال من وسطية تؤهّله أن يكون رئيساً إلى طرف يعطّل الرئاسة مُتكئاً على إحراج الحزب للتضامن معه والامتناع عن إبرام أيّ تسوية رئاسية على حسابه. فموقف عون هو دليل قاطع أنّ التسوية الرئاسية قطعت أشواطاً مهمة بين باريس وروما والرياض وطهران، وإلّا ما كان في وارد الانتقال من الموقع التعطيلي شرط انتخابه، إلى الموقع التعطيلي لانتخاب أيّ رئيس. فالخيار لم يعد بين مرشّح من ٨ وآخر من ١٤ آذار، إنما الخيار هو بين مرشح وسطي أو الفراغ، وبما أنه ليس من عداد المرشحين الوسطيين، وبما أنّ الفراغ تحوّل إلى استهداف للمسيحيين ولم يعد أحد في وارد تغطية هذه المسألة، وبما أنّ عون تحوّل إلى مرشح «حزب الله» وأصبح الحزب من الآن وصاعداً يتحمّل مسؤولية الفراغ ما سيدفعه في الوقت المناسب إلى الطلب من عون التراجع مقابل مكاسب تعويضية، وبما أنّ انتخاب رئيس وسطي يتناغم مع الرئيسين نبيه بري وتمام سلام ويستطيع معهما إدارة الازمة حتى إشعار آخر أصبح مطلباً لإقفال الثغرة المسيحية... فلكلّ هذه الأسباب وغيرها التسوية الرئاسية انطلقت، ولن يستطيع عون أو غيره إيقافها، والمسألة مسألة وقت لا أكثر...