إرتفاع منسوب التطرّف لا يقتصر على المنطقة العربية والإسلامية بفعل الصراع السنّي-الشيعي المتصل تحديداً بالدور الإيراني واستمرار النظام السوري، إنما بدأ يتمدّد نحو الدول الأوروبية في السويد وألمانيا وتحديداً فرنسا، حيث واصل اليمين المتطرّف تقدّمه وصعوده محققاً نصراً تاريخياً تمثّل بدخوله، للمرة الأولى في تاريخه، مجلسَ الشيوخ بمقعدين يمثلان معاقلَ الجبهة الوطنية في جنوب شرق فرنسا.

الفرنسيون يعزون صعودَ اليمين المتطرّف إلى عوامل عدة أبرزها، تراجع اليمين واليسار وفساد الطبقة السياسية، وغياب الشخصيات القيادية، والوضع الاقتصادي، وغياب فرص العمل، والعملة الموحدة، وتحمّل فرنسا أعباء الدول الضعيفة والهجرة والذوبان ضمن الاتحاد الأوروبي، والتوجّه القومي الذي يصطدم بانتماء فرنسا إلى هذا الاتحاد والإسلاموفوبيا... وهذه العوامل أو الأسباب يُفترض أن تجعل من أيّ مواطنٍ فرنسيّ عضواً في الجبهة الوطنية أو مناصراً ومؤيّداً لها، لأنّ أولوية الناس تحسين ظروفهم الحياتية والمعيشية، وتطوير أوضاعهم وإمكاناتهم، وإقفال الباب أمام كلّ ما يهدّد وجودهم أو يؤثر في نمط حياتهم. وفي موازاة هذه العوامل الموضوعية نجحت زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبان في تقديم خطاب غير عنصري واستفزازي، وذلك خلافاً لوالدها جان ماري الذي أحرجها مراراً في مواقفه ودفعها إلى التنصّل من هذه المواقف وحتى رفضها، حيث أيقنت أنّ الوصول إلى السلطة يتطلّب التخلّي عن الكلام العنصري الذي يقدّم هدية مجانية لأخصامها، والاحتفاظ بسقفٍ واضحٍ ومرتفع والدفاع عن قضايا وعناوين تهمّ كلّ الشعب الفرنسي. وقد أثبت الخط البياني للجبهة والتقدم المتواصل والثابت الذي تحققه أنّ السياسة التي تتبعها لوبان بدأت تجد صداها لدى الشعب الفرنسي، فضلاً عن أنّ كلّ العوامل المحيطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تشكل عواملَ مساعدة، الأمر الذي يجعل حظوظها الرئاسية مرتفعة في العام ٢٠١٧ في حالِ استمرارِ الأوضاع على ما هي عليه. ومن ضمن العوامل المساعدة للسياسة اللوبانية صعود التطرّف الإسلامي مع الثورة السورية الذي أعاد تسليط الضوء على مسألة الإسلاموموفوبيا بقوة في المجتمعات الغربية وتحديداً الأوروبية والفرنسية، خصوصاً مع تفاقم الإشكاليات المرتبطة بالحجاب والصلاة في الشوارع وبناء المساجد والعامل الديموغرافي وآخرها، حتى لو كان من طبيعة مختلفة، عجز العقل الغربي عن فهم وتفسير ظاهرة تخلّي الشباب المسلم عن كلّ ما هو متوفر له من مناخ يتصل بالديموقراطية والحريات والحياة الرفاهية من أجل الذهاب للموت في الشرق وفي سوريا تحديداً. وفي الحقيقة أنّ هؤلاء الشباب اكتشفوا أن لا معنى لحياتهم إلّا بالجهاد، ويعتبرون أنفسهم متخاذلين وخارجين عن الدين في حال عدم تلبيتهم صوت الواجب، كذلك فإنّ الفئات التي لا تسمح لها ظروفها بالجهاد تجد نفسها متضامنة مع هذه الفئة، ولكن بمعزلٍ عن تقويمِ هذا الشعور ما إذا كان إيجابياً أم سلبياً أم طبيعياً، يقتضي طرح السؤال الآتي: هل كان لِيوجد هذا الشعور لولا الحرب السورية؟ وهل كان وَجد بيئة حاضنة له في الغرب لولا البيئة الحاضنة له في الشرق؟ وهل زوال أسبابه في دوله ومجتمعاته يؤدّي إلى انتفاء مفاعيله وتردّداته في الدول والمجتمعات الغربية؟ فمواجهةُ التطرّفِ الإسلامي لا تبدأ من الغرب، إنما من بلاد المنشأ في الشرق، والمواجهةُ لا تكون عن طريق غسل الغرب يديه من تحمّل مسؤولياته، لأنّ المشكلةَ أصبحت في قلب مجتمعاته، ومعالجتُها لا تتمّ عن طريق الهروب إلى الأمام واعتماد سياسات انكفائية وانغلاقية وعنصرية، لأنّ هذه السياسات تقضي على المجتمعات الغربية وعلى كل ما نجحت في مراكمته من تراثٍ حضاريّ وإنساني، بل من خلال الانخراط بقوة في الأزمات الشرق أوسطية التي أصبح إهمالها، وهذه ثابتة، يهدّد المجتمعات الغربية، وفي طليعة هذه الأزمات الحرب السورية وضرورة وضع حدّ لاستمرار النظام، والقضية الفلسطينية وضرورة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، والدور الإيراني وضرورة تقييده ضمن معيارَي الاستقرار والسلام. ومواجهة التطرّف لا تكون بالتطرّف، إنما من خلال سياسات هجومية في الشرق واعتدالية في الغرب، إذ إنّ القضاء على أسباب التطرّف في الشرق سيقضي تلقائياً على أسبابه في الغرب، ولا يجوز ترك هذه المهمة لأصحاب الشأن في الشرق الذين يضعون ثقلهم في هذه المواجهة وعلى مستويات عدة عسكرية وسياسية واقتصادية، إنما عامل المصلحة بالحدّ الأدنى يتطلّب من الغرب مؤازرتهم في هذه المسألة. وإذا كان التطرّف يغذّي بعضه بعضاً، فإنّ أيّ إهمال سيقود إلى كارثة عالمية، خصوصاً أنّ أوجه العنف أصبحت تجذب فئة الشباب وتشكل خطراً على الإنسان، ومواجهتها تتطلّب تنسيقاً غربياً وعربياً، وتحالفاً ثقافياً وتصدياً لحالات التطرّف وتطويراً لحالات الاعتدال... ولكن في هذه الصورة بالكامل، أيّ دور للمسيحيين في لبنان الذين ينسجون علاقاتٍ وثيقة مع أهل الشرق والغرب معاً ويفهمون عمقَ هواجس الطرفين؟ وأيّ دور للكنيسة المارونية التي تتمتع بعلاقاتٍ مميزة مع الشرق والغرب؟ وهل من عنوانٍ آخر يعيد المسيحيين إلى مقدمة المسرح السياسي؟ فالفرصةُ التي تطلّ برأسها اليوم قد لا تتكرر غداً، وقوتهم كانت متأتية دوماً من دورهم لا صلاحياتهم، خصوصاً أنّ هذا الدور المنشود يأتي في لحظةِ قلقٍ شيعي نتيجة اصطدامه مع السنّة، وفي لحظةِ قلقٍ سنّي نتيجة صراعه الداخلي بين مَنطقَي التطرّف والاعتدال، وفي لحظةِ قلقٍ غربي على مستقبل مجتمعاته في ظلّ صعود التطرّف، وبالتالي هناك حاجة لدور مسيحي يُبدّد هواجس هذه الأطراف بإبراز خط الاعتدال والتعدّد والتنوّع. ولكنّ السؤال الذي يطرح نفسه: هل تستطيع جماعة صغيرة وربما مَنسِية أن تُبدّد هواجس الكون؟ وفي الإجابة، العودة إلى الأب ميشال حايك هي إلزامية: «قد يُقال بعد كلّ شيء إننا نتكلم عن شعب صغير عدد سكانه أقل من عدد سكان حَيٍّ في نيويورك، وأرضه أصغر من أراضي بعض المزارعين في تكساس. هذا صحيح من زاوية الكمّ والعدد والمساحة أما من زاوية القيم ليس صغيراً البلد الذي أعطى الأبجدية الأولى على الأرض وليس صغيراً الشعب الذي أرسل القديس الأخير إلى السماء».