في مقابل قناعة "حزب الله" الراسخة اليوم، بأن أساطيل "الدول" الجوّية وأجهزة مخابراتها وديبلوماسييها يتحرّكون لمواجهة ما سبق للحزب أن تنبّأ بوصوله مسبقاً الى المنطقة ولبنان وبالتالي برّر تدخّله المبكر في سوريا، تبدو استراتيجية فريق "14 آذار" مربكة، مع شيء من الإحراج، خصوصاً في ضوء الانخراط الخليجي في "التحالف" ضد "داعش" وبـ"بركة" لبنان الرسمي. ومع تقدّم الخيار العسكري في المنطقة والمرشّح، وفق المعلومات، لإمكان حصول عمليات كوماندوس برّية محدودة في سوريا من جانب "التحالف"، تصبح "ترسانة" المواجهة لدى الفريق الآذاري قاصرة عن مواكبة عملية خلط الأوراق وقلب الأولويات. والأمثلة كثيرة. ماذا ستنفع مطالبة فارس سعيد بجعل إدانة إرهاب التنظيمات المتطرّفة متلازمة مع إدانة إرهاب بشار الأسد، فيما الأخير يعمّم بلاغات التنسيق مع واشنطن في الحرب على الإرهاب؟ وما تأثيرات تغيير سمير جعجع رأيه بـ"داعش" من "كذبة كبيرة" إلى "ورم سرطاني"، فيما "القواتيون" من القاع الى رأس بعلبك وأعالي جبيل وكسروان، سبقوا "حكيمهم" في الاستنتاجات وحمل السلاح بالتنسيق مع فعاليات مناطقية "حزبلاوية"؟ وما نفع "كليشيه" "تيار المستقبل" باعتبار "حزب الله" و"داعش" وجهين لعملة واحدة، فيما طيف السيد حسن نصرالله غائب تماماً عن لائحة أولويات قادة الحرب على التكفير؟ صار عنوان مواجهة الإرهاب أولوية دولية واقليمية ولبنانية، غير أن ثمة قناعة راسخة عند "المستقبل" أولاً، كما عند حلفائه وخصومه، أن العنصر الحاسم لبنانياً في مواجهة الارهاب هو مدى انخراط الفريق السنّي المعتدل في المعركة ضد التيارات التكفيرية. بالتأكيد، لا يمكن لبيان الرئيس سعد الحريري التوضيحي ردّاً على بيان "الائتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية"، والذي اعترف فيه "الشيخ" للمرة الأولى بقرار المجموعات المسلّحة في عرسال بجعل مخيمات النازحين ظهيراً قوياً لها، وبـ"تأديبه" الائتلاف لإسقاط مطلب تحرير العسكريين من بيانه، أن يحجب حجم التناقضات تحت سقف "تيار المستقبل". صار وجود "الحمائم" و"الصقور" تحت سقف مواجهة إرهاب "داعش" و"النصرة" بلغة واحدة وسلاح واحد، عامل ضغط وإرباك على سعد الحريري نفسه، في وقت يجلس فيه الإيراني والسعودي وجهاً لوجه، ويتحوّل سقوط صنعاء بيد "الحوثيين" إلى عنصر تقارب وتفاهم بينهما وليس عامل نزاع، كما كان يتوقع كثيرون. وبالمعايير كافة، تحتاج معركة ناجحة بوجه الإرهاب إلى وقوف "حزب الله" و"المستقبل" خلف الجيش سياسياً، من دون أن تتحوّل صور مداهمات تأخّرت كثيراً في مخيمات عرسال، الى عنصر إدانة وتحريض على المؤسسة العسكرية. وإضافة الى غموض الموقف السعودي حيال المدى الذي يمكن أن تذهب اليه الرياض في تقديم الدعم للبنان والجيش للقضاء على الجماعات الإرهابية، يواجه الرئيس الحريري مشكلة حقيقية داخل فريقه السياسي. صار خالد الضاهر حالة بحدّ ذاتها، تلوّح بالاستغناء حتّى عن خدمات "تيار المستقبل" وحنفية دولاراتها حين يحين أوان الانتخابات النيابية. ومن لم "تلطشه" عدوى الضاهر - معين المرعبي في السابق، صار خبيراً عسكرياً اليوم كما هو حال جمال الجرّاح القادر على تحديد مكان سقوط الصواريخ التي تسقط على المخطوفين العسكريين! وحتى يتغيّر مجلس النواب، سيستمر معين المرعبي، الذي عزف عن الترشيح، نائباً في فريق الحريري متحمّساً لإدخال السلاح الى سوريا بأي وقت لدعم "الثورة". وهو، بعكس ما قاله زعيم "المستقبل"، يجد أن مداهمات الجيش في عرسال "ارتكابات ضد الإنسانية"، ذاهباً الى حدّ تشبيهه بـأنه "داعش". هذا على مستوى الخطاب السياسي، أما في الاستراتيجيا، فثمّة من يؤكّد بأن السعودية، "لن تضع كل أوراقها اللبنانية في خدمة مشروع استئصال "داعش" و"النصرة"، ما لم تقبض ثمناً ما في سوريا، وعندها تجري المقايضة مع الإيرانيين لبنانياً"!