التسوية التي قامت على أساسها الحكومة قضَت بتجميد الملفات الخلافية الثلاثة: المحكمة الدولية، وقتال «حزب الله» في سوريا، وسلاحه. وفرضت تقديم أولوية محاربة الإرهاب على تلك الملفات.

رياح التسويات التي انطلقت من العراق، في حال تمّ اعتبار التسوية الحكومية في لبنان مرحلية، وحَطّت في اليمن، ويمكن أن تشمل أكثر من ملف وبلد قريباً، تؤشّر إلى وجود مناخ مساعد ودافع باتجاه ترتيب الأوضاع بعد وصول القوى الإقليمية إلى قناعة بأنّ ميزان القوى لا يسمح بتفرّد فئة في الداخل ودولة راعية في الخارج، إنما يستدعي تفاهمات داخلية وخارجية من أجل الوصول إلى الاستقرار. وهذا الوضع لا ينطبق سوى على الدوَل التي تشهد صراعات داخلها في ظلّ ميزان قوى حقيقي، ومن بينها تحديداً سوريا ولبنان، حيث من الواضح أنّ العقدة السورية ما زالت عَصيّة على الحل، وهذه العقدة بالذات تؤخّر الوصول الى تسوية في لبنان، نظراً للترابط القائم في الملفّين على قاعدة أنّ مَن يحكم سوريا يحكم لبنان، وذلك بمعزل عن مركز هذا الحكم أكان في دمشق كما كان عليه الوضع قبل العام 2005، أو في الضاحية الجنوبية بعد هذا التاريخ. وفي هذا السياق تبرز مخاوف لبنانية ممّا يمكن أن يؤول إليه مصير لبنان في ظل هذه التسويات، وهذه المخاوف تنطلق من الآتي: أولاً، الإقرار بنفوذ طهران في العراق واليمن يعني إقراراً بنفوذها في سوريا ولبنان وغيرهما، لأنّ المسألة مسألة مبدأ. ثانياً، المشكلة كانت أساساً مع إيران التي تتطلّع إلى الهيمنة لا تقاسم النفوذ، ووصولها إلى قناعة باستحالة هذه الهيمنة سيدفع الأمور باتجاه تفاهمات تعكس ميزان القوى في الداخل والخارج، لأنّ السعودية أساساً مع التسويات لا المواجهات. ثالثاً، مصير النظام السوري يتجاوز الصراع السعودي-الإيراني أو السني-الشيعي، لأنّ مشكلة هذا النظام تحوّلت إلى مشكلة دولية، ولا يمكن لأيّ تسوية أن تُعيد له الاعتبار. وبالتالي، أيّ حلّ للأزمة السورية سيكون على قاعدة تفاهم علوي-سني تنتزع طهران فيه حقّ رعاية العلويّين، واستطراداً موقع نفوذ وتأثير. ولكن لا مؤشرات لغاية اللحظة توحي بنضوج هذه التسوية لمجموعة اعتبارات تتصِل بالحاجة إلى مزيد من جهوزية السنّة، والمزيد من إضعاف العلويّين للتخلّي عن النظام الحالي. رابعاً، وضع «حزب الله» يختلف عن وضع النظام السوري في أربع نقاط أساسية: أ- إيران تعتبره جزءاً لا يتجزّأ منها، وبالتالي المساومة على رأسه غير ممكنة، بمعنى أنها على استعداد في نهاية المطاف في أن تضحّي بالنظام السوري لا الحزب. ب- طهران تريد أن تبقى على تماس مع القضية الفلسطينية التي ما زالت تشكّل لبّ الصراع مع إسرائيل، وبالتالي تستطيع عبر الحزب أن تضمن دورها في الصراع والتسوية مع تل أبيب. ج- السعودية تخوض مواجهة لا تراجع فيها مع النظام السوري لا «حزب الله»، ومشكلتها الأساسية مع الحزب تتصِل بقتاله في سوريا لا باتهامه باغتيال الشهيد رفيق الحريري، على رغم أهمية الحريري بالنسبة إلى الرياض، والدليل مبادرتها للمصالحة والمسامحة التي رفضها الحزب لا «المستقبل». د- المجتمع الدولي له أولويّتان: الاستقرار في لبنان وليس السيادة والاستقلال، وأمن إسرائيل، وهذا المجتمع يعتبر أنّ تجربته مع الحزب منذ القرار 1701 مشجّعة، خصوصاً أنه اتّعَظَ من تجربة النظام السوري الذي نجح قبل الثورة السورية في إثبات صدقيّته حيال المجتمع الدولي من خلال حمايته للحدود مع إسرائيل. كما أنّ هذا المجتمع شَجّع قوى 14 آذار على المشاركة في حكومة واحدة مع الحزب على رغم قتاله في سوريا واتهامه بأعمال إرهابية في الخارج، آخرها في بلغاريا. وبالتالي، الرهان على المجتمع الدولي ليَتكفّل برفض استمرار سلاح «حزب الله» غير مضمون. وعليه، كلّ المؤشرات تدلّ الى أنّ التسوية النهائية في لبنان بعد انتهاء الأزمة السورية يمكن ألّا تشمل سلاح «حزب الله» من ضمن ترتيب ضمني تتعهّد فيه إيران ألّا يستخدم الحزب سلاحه في اتجاهين: باتجاه الداخل، وباتجاه إسرائيل. وقد يبدو ما تقدّمَ منطقياً في سِياق موازين القوى وتوزيع الأدوار وتقاسم النفوذ. ومن هنا اتّكاء قوى 14 آذار على الخارج الضامِن لاستقلال لبنان ليس في محلّه، لأنّ التجربة مع هذا الخارج مريرة. كما أنّ تجميد هذه القوى الملفات الخلافية مع الحزب، أي المحكمة والسلاح والقتال في سوريا، بحجّة الإرهاب وغيره ليس في محلّه أيضاً، لأنّ الناس بدأت تعتاد على فكرة أنّ الخطر مُتأتٍ من الأصولية السنية لا الشيعية. ويبقى: هل التساكُن والتعايُش مع سلاح «حزب الله» ممكن؟ وما الضمانة لعدم استخدامه في أوقات الحَشرة، وهي عديدة؟ وأين المساواة بين اللبنانيّين في ظلّ هذا السلاح؟ وهل كَسر الأحادية داخل الطائفة الشيعية ممكن في هذه الحال؟ وهل يمكن الحديث عن دولة لبنانية في ظلّ سلاح غير شرعي خارج مؤسساتها؟ وأخيراً، هل هذه التساؤلات-المخاوف في محلّها؟