قال النائب وليد وجنبلاط، رداً على أسئلة الصحافيين بعد نهاية اجتماعه مع العماد ميشال عون، إنّ «لعون حيثية أساسية للترشّح للرئاسة، وهذا أمر لا يمكن أن نَنفيه»، ولكن الحيثية شيء، ووصول عون إلى الرئاسة شيء مختلف تماماً.

موقف النائب جنبلاط دفع المراقبين إلى طرح الأسئلة الآتية: هل من تَبدّل في موقف جنبلاط الرافض أساساً انتخاب العماد عون والدكتور سمير جعجع، أم أنه جزء من اللياقات في مناسبات من هذا النوع؟ وهل كان مضطراً إلى إطلاق هذا الموقف المتصِل بحَيثية عون على رغم تأكيده وضيفه أنّ الاستحقاق الرئاسي لم يكن ثالثهما؟ وهل مجرد صدفة أن يكون جنبلاط التقى السيّد حسن نصرالله قبل أسبوع على لقائه عون، وأن يكون عون قد التقى نصرالله أيضاً قبل أسبوع على لقائه جنبلاط، أم انّ هناك دوراً ما يقوم به نصرالله؟ وهل تحرّك عون باتجاه جنبلاط جاء بطلب من نصرالله؟ ولماذا لا يطلب أمين عام «حزب الله» من رئيس الاشتراكي التصويت لرئيس كتلة «الإصلاح والتغيير»؟ في إطلالته التلفزيونية الأخيرة مع الزميل جان عزيز وَجّه عون ثلاث رسائل رئاسية أساسية: - الرسالة الأولى إلى الرئيس سعد الحريري بأنه يُثمّن موقفه الداعم لوصوله إلى الرئاسة، ولكنه يتفهّم في الوقت نفسه الموانع التي تحول دون ذلك، رافضاً التحدث عنها منعاً من إحراجه. وبالتالي، أراد تحييده وإعطاء انطباع انه لو عادت للحريري لكان اليوم رئيساً. - الرسالة الثانية بأنّ الأسباب التي تحول دون وصوله إلى رئاسة الجمهورية مَردّها إلى فيتو دولة إقليمية اعتبره غير مقبول بتاتاً. - الرسالة الثالثة بأنه لن يتنازل عن حقّه في رئاسة الجمهورية حتى لو ارتبطت أزمة الرئاسة بأزمة المنطقة واستمر الفراغ طويلاً. ومن الواضح أنّ عون يحرص على فتح القنوات السياسية الداخلية، ولكن مع استثناء مسيحيي 14 آذار لغاية اللحظة، وذلك في رهان على رفع الفيتو عنه نتيجة جهد شخصي وقنوات خارجية ومَساع يتولّاها أخيراً وزير الخارجية جبران باسيل. ومَن يعرف المملكة العربية السعودية جيداً يدرك أنّ مهمة عون شبه مستحيلة، ويكفي أخذ العبرة من جنبلاط نفسه الذي على رغم العلاقة التاريخية معها لم تسامحه على تغطيته انقلاب «حزب الله» عليها وعلى الرئيس الحريري. وبالتالي، لن تغفر بسهولة لعون إساءاته التي تعتبرها إساءات شخصية ومجانية ولا علاقة لها بموقفه السياسي الحرّ فيه. وهذا الموقف الصارم للسعودية ينعكس مباشرة على ثلاث قوى أساسية: أ- «المستقبل» بطبيعة الحال الذي يتأثّر بموقف الرياض. ب- الثنائية الشيعية الممثّلة في «حزب الله» و»حركة أمل»، والتي تتحرّك على وقع العلاقة السعودية - الإيرانية، ولا يبدو أنّ طهران تريد استفزاز الرياض أو الاصطدام بها في هذه المرحلة، الأمر الذي يفسّر موقف الحزب ويبرّره، علماً أنّ الحزب تركَ لعون مهمة فتح الطريق نحو بعبدا بالانفتاح على «المستقبل»، واستطراداً السعودية، ومن دون أن تؤازره هذه الثنائية بالضغط وحتى بالتمنّي على جنبلاط. ج- النائب جنبلاط الذي لا يريد أن يكرر تجربة تكليف الرئيس نجيب ميقاتي، ولن يُقدِم على أيّ خطوة تستفزّ السعودية، خصوصاً أنّ الصفحة الخلافية معها لم تقفل بعد. وفي موازاة ما تقدّم، لا يجوز التقليل من عاملين: العامل الأول، الدور الصاعد للسعودية التي أقرّ الغرب أخيراً بشراكتها في مواجهة الإرهاب، ما يعني أنّ تجاوزها في لبنان أصبح مستحيلاً. العامل الثاني، القوى الإسلامية على اختلافها تتذرّع مبدئياً بالموقف السعودي تجَنّباً للاصطدام بعون، ولكن في حال تَذلّل هذا العامل، على رغم صعوبة ذلك، سيصطدم الجنرال جَدياً بعقبة تزكيته محلياً، حيث انّ كل هذه القوى تريده حليفاً لا رئيساً، ليس لقوته وشعبيته كما يروّج البعض، إنما لكونها لا تتوقّع ردود فعله والخطوات التي يمكن أن يلجأ إليها، فضلاً عن أنه لا يفترض الاستهانة بموقف مسيحيي 14 آذار، وتحديداً الدكتور سمير جعجع الذي لن يتساهل مع أيّ إخلال بالتوازنات الوطنية - المسيحية، خصوصاً عندما سيكون وصول عون رغماً عن إرادته وليس عن طريقه. وعليه، الصورة اليوم هي على الشكل الآتي: الثنائية الشيعية + «المستقبل» + الاشتراكي ليسوا بوارد القطع مع عون من خلال إبلاغه رفضهم لانتخابه، خصوصاً أنهم يخشون أن يستخدم هذا الموقف وكأنه موقف سنّي أو شيعي أو درزي ضد المسيحيين. وبالتالي، يتركون له مهمة حسَم مصير ترشّحه، الأمر الذي يجعل الرئاسة معلقة بين ضغوط خارجية ما زالت دون المستوى، وبين تمَسّك عون بترشيحه، وما بين الاثنين يدفع اللبنانيون والمسيحيون الثمن. ويبقى أنّ أحداً لا يشكّك بحَيثية عون المسيحية والوطنية والرئاسية، ولكنّ الإقرار بالحيثية لا يعني شيئاً في الحسابات السياسية - الرئاسية. وإذا كان للرئاسة مِن ثمن يستطيع عون اليوم تحصيله من مواقع نفوذ وحصّة في تسمية الرئيس، فسيأتي اليوم الذي يأتي فيه الرئيس، إذا استمر عون في ممانعته، من دون أن يكون رئيساً ولا صانعاً للرؤساء.