الجواب واضح وبسيط ومبسّط، إذا كان هدف المسيحيين إقامة دولة مسيحية، فهم بالتأكيد بحاجة إلى لوبي مسيحي على غرار اللوبي اليهودي. أمّا إذا كان هدفهم لبنان العَيش المشترك وميثاق العام 1943 واتفاق الطائف، فهم بالتأكيد ليسوا بحاجة إلى لوبي مسيحي.

المسألة لا تحتمل التأويل ولا أنصاف الحلول، لأنّ الكلام عن لوبي مسيحي لا يمكن تفسيره خارج سياق التجمّع الفئوي الذي يحمل مطالب فئوية، وخلاف ذلك يتحوّل إلى لوبي لبناني أو عربي. وبالتالي، إذا كان الهدف من إنشاء هذا اللوبي تشكيل قوّة ضغط للدفاع عن سيادة لبنان واستقلاله واحتكار القوى الأمنية الشرعية وحدها للسلاح، فمِنَ الأولى تشكيله من كل اللبنانيين المؤمنين بهذه الشعارات، خصوصاً أنّ هذه الشعارات لم تعد حكراً على المسيحيين. وإن دَلّت التجربة التاريخية للمسيحيين على شيء، فعلى استحالة توافقهم الإرادوي حتى في أحلك الظروف وأصعبها، ما يؤشّر إلى أنّ رد فعلهم المرتبط بغريزتهم ومنظومة تفكيرهم لا يتحرك من منطلق عنصري أو أقلّوي، خلافاً للشعور اليهودي الذي يتوحّد عالمياً دفاعاً عن أيّ مواطن يهودي في روسيا أو تل أبيب، وهذا يرتبط عضوياً بالأساطير أو الوقائع المؤسّسة لكلّ جماعة، حيث أنّ الظلم الذي تعرّض له اليهود تاريخياً دَفعهم إلى التوحّد والانكماش، فضلاً عن اعتبار أنفسهم «شعب الله المختار»، فيما الظلم الذي تعرّض له المسيحيون، وتحديداً المسيح، وُضِع في إطار الفداء للإنسانية جمعاء، وليس للذين يحملون فقط اسم المسيح. فهناك اختلاف بنيوي في التفكير والتنشئة والرؤية إلى الإنسان، وهذا ما يفسّر عدم وجود قضية مسيحية، لأنّ قضية المسيحيين هي الإنسان انطلاقاً من مفهوم التجسّد، وهذا ما يفسّر أيضاً عجزهم عن التوحّد حول قضايا من طبيعة وجودية. فعندما كان المسيحيون بحاجة فعلياً إلى لوبي مسيحي يُقنع العالم بالتدخّل لمَنع القضية الفلسطينية من تفجير لبنان، فشلوا في جَعل الرأي العام الغربي إلى جانبهم. وعندما كان المسيحيون بحاجة إلى لوبي مسيحي لإخراج الجيش السوري من لبنان، لم ينجحوا بتحريك الرأي العام الدولي. وبالتالي، إذا كان هناك من مَشروعية لتفكير مسيحي ببُعد وطني، فلقد انتفَت اليوم مع توحّد الإرادتين والنظرتين المسيحية والإسلامية. ناهيك عن انّ الاهتمامات الدولية قد تبدّلت بين القرن الثامن والتاسع عشر واليوم، فلا الغرب يبحث عن مستعمرات، ولا الأقليات تستطيع استجلاب الحمايات، إنما المطروح هو الاندماج في المجتمعات، وهذا الاندماج شرطه تطوّر هذه المجتمعات باتجاه الدولة المدنية، لا أن تبقى محكومة من ديكتاتوريين يتاجرون بحماية الأقليّات في بلادهم. وهذه الاستفاقة المسيحية اليوم تطرح تساؤلات جدية حول خلفياتها ومراميها وأهدافها، لأنّ تهجير المسيحيين لم يبدأ مع «داعش»، إنما بدأ منذ قيام أنظمة البعث في المنطقة. وتكفي مقارنة أعداد المسيحيين في سوريا والعراق في خمسينات القرن الماضي وعشيّة الثورات العربية، بمعنى أنّ هناك نزفاً بطيئاً ومستمراً، وهذا النزف كان لا بد أن يصِل في مرحلة من المراحل إلى تفريغ المنطقة من المسيحيين، الأمر الذي ساهمَت «داعش» في تسريعه. فكان الأولى البحث في الأسباب التي تجعل المسيحيين يفضّلون الهجرة على البقاء في أرضهم، وهي غياب الأمن والحرية والاستقرار وفُرَص العمل. وبالتالي، معالجة هذه الأسباب بدلاً من الذهاب نحو مناشدات تؤخّر ولا تقدّم، بتكريس نظرة خاطئة عن المسيحيين بأنهم جاليات أجنبية. وبمعزل عن كلّ ما تقدّم، هل إنشاء لوبي مسيحي هو بمتناول اليد؟ وما القضية التي سيتوحّد المسيحيون المشرقيون حولها؟ وهل آذان واشنطن أو عواصم القرار ستُصغي إلى هذا الدعوات؟ وهل المسيحيون يستطيعون تكرار تجربة إسرائيل؟ وهل هذه التجربة أساساً ناجحة؟ وهل المطلوب تعميم تجربة اللوبيات بإنشاء لوبي سنّي وآخر شيعي وآخر درزي؟. فالمسيحيون ليسوا بحاجة إلى لوبي مسيحي بالتأكيد، إنما هم بأمَسّ الحاجة إلى لوبي لبناني يرفع القضية اللبنانية عالياً في كلّ عواصم القرار الغربية والعربية والإقليمية من أجل الدفع نحو تشكيل قوّة ضغط تُمَكّن اللبنانيين من استعادة سيادتهم واستقلالهم وقرارهم الحر، كما تُمَكّنهم من استعادة العمل بدستورهم المُعلَّق منذ العام 1969 وتطبيق اتفاق الهدنة مع إسرائيل والتزام القرارات الدولية ذات الصِلة واتفاق الطائف. وإذا كان من حاجة إلى لوبي فِعليّ فهو لوبي 14 آذار من أجل أن يحمل القضية اللبنانية، وليس قضية المسيحيين في لبنان والعالم العربي أو المسلمين، حيث انّ الانتشار اللبناني موجود بقوّة في كل أصقاع العالم، والمطلوب فقط تفعيله وإشعاره بوجود قيادة وطنية مسيحية-إسلامية موحّدة، وتتعامل معه كشريك في القرار الوطني، وليس كأداة تمويل أو انتخاب عند الاستحقاق.